هواك أوطاني دودو محمد
هواك أوطاني

“الفصل الأول”
وقفت الفتاة خلف الستائر الثقيلة التي تفصلها عن ذلك العالم البعيد عنها بمسافات لا تقاس بالأمتار، بل بالفوارق الطبقية والقسوة التي فرضتها الحياة. كانت تحدق في أجواء الحفل المترف بعينين متسعتين، تلتهمان المشهد بشغف طفلة حرمت طويلًا من أبسط الأحلام.
الأضواء المتلألئة انعكست فوق الثريات الضخمة كنجوم هبطت من السماء لتستقر داخل ذلك القصر الفخم، والضحكات المرتفعة تتعالى من كل جانب، ممزوجة بموسيقى راقية تنساب في الأجواء بسلاسة. أما النساء فكن يتهادين في فساتين باهظة الثمن، تتراقص الأقمشة الفاخرة حول أجسادهن كأنهن أميرات خرجن للتو من إحدى الحكايات الخيالية.
شعور غريب ومتناقض كان يعصف بقلبها الصغير.
جزء منها كان مفتونًا بكل ما تراه، يتمنى لو يحظى بيوم واحد فقط من تلك الحياة، يوم واحد تستيقظ فيه دون أن تفكر في ثمن الخبز أو الإيجار أو فواتير الحياة التي لا ترحم. يوم ترتدي فيه فستانًا جميلًا بدلًا من الملابس البسيطة التي اعتادت عليها، وتجلس على إحدى تلك الطاولات المزينة بالورود بدلًا من الوقوف في المطبخ لخدمة أصحابها.
أما الجزء الآخر من روحها، فكان يشعر بالنفور والاشمئزاز من ذلك البذخ المبالغ فيه، من الأموال التي تهدر في ليلة واحدة بينما هناك من لا يجد قوت يومه.
ظلت تراقب المشهد مأخوذة بما تراه حتى قطع صوت والدتها خيوط أحلامها فجأة وهي تهتف بها من الداخل:
-بت يا مهره، بتعملي أيه عندك؟ تعالي ساعدينى في المطبخ.
التفتت إليها بضيق واضح، وكأنها انتزعت من عالم جميل كانت تعيشه للحظات، ثم قالت متبرمة:
-يووه بقى يا ماما! خليني أتفرج على الحفله، أصلها حلوه أوي.
اشتعل الغضب في عيني والدتها وهي تهدر بها:
-أنتي يا بت! متخلنيش أقطعلك شعرك ده، أمشي قدامي أنجري.
زفرت مهره بضيق بالغ، وألقت نظرة أخيرة على الحفل قبل أن تستسلم للأمر الواقع. تحركت خلف والدتها بخطوات متثاقلة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، تعبر بها عن استيائها من انتهاء تلك اللحظات القليلة التي سمحت لنفسها فيها بالحلم.
ما إن دخلتا المطبخ حتى عادت رائحة الطعام والمنظفات لتحل محل العطور الفاخرة التي كانت تملأ أجواء القاعة.
نظرت إليها أمينة بنفاد صبر وقالت:
-هتفضلي واقفه كده؟ ما تساعديني في غسل الكاسات دي.
اقتربت مهره على الفور ووقفت بجوار والدتها. بدأت تساعدها في غسل الأكواب وترتيبها، بينما كانت أصوات الحفل تصل إليهما مكتومة من الخارج.
مرت دقائق قليلة قبل أن تقتحم إحدى العاملات المطبخ على عجل وهي تقول:
-حد فيكم يجي بسرعه، المشروب وقع على فستان مدام عليا، ومحتاجة حد ينضفه.
رفعت أمينة رأسها فورًا، ثم التفتت إلى ابنتها قائلة:
-روحي يا مهره معاها، وشوفي شغلك وتعالي على هنا على طول.
تألقت عينا مهره بسعادة مفاجئة، وكأن القدر منحها فرصة أخرى للعودة إلى عالم الحفل ولو لدقائق معدودة.
أومأت برأسها سريعًا بالموافقة، ثم خرجت خلف الفتاة.
كل خطوة كانت تخطوها وسط القاعة تزيد من توترها وهيبتها. شعرت وكأنها تسير وسط عالم لا تنتمي إليه. رجال أعمال، شخصيات مرموقة، سيدات يتحدثن بثقة وأناقة، ووجوه لا تراها إلا على شاشات التلفاز.
تسارعت دقات قلبها وهي تقترب من السيدة المقصودة.
وقفت أمامها بتوتر شديد، تكاد تشعر بأنفاسها تتعثر داخل صدرها.
لكن قبل أن تنطق بحرف واحد، نظرت إليها المرأة بغضب حاد وهدرت قائلة:
-أنتي هتقفي تتفرجي عليا؟ شوفي شغلك أخلصي.
ارتجفت مهره من نبرة صوتها، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تومئ بطاعة.
انحنت بجسدها وبدأت تحاول إزالة آثار المشروب عن الفستان الثمين بكل ما تملك من حرص. كانت تدرك جيدًا أن أي خطأ بسيط قد يكلفها الكثير، لذلك ركزت بكل قوتها وهي تحاول إنقاذ الموقف.
مرت دقائق بدت لها طويلة ومرهقة.
وحين انتهت أخيرًا ورفعت رأسها، لم تكن تتوقع ما سيحدث.
فجأة شعرت بدفعة قوية أصابتها من قدم عليا، لتفقد توازنها وتسقط أرضًا أمام الجميع.
ارتطم جسدها بالأرض بقوة، بينما دوى صوت المرأة الغاضب فوق رأسها:
-أنتي حيوانة! مش عارفة تشوفي شغلك كويس؟ بهدلتى الفستان أكتر!
اشتعل وجه مهره خجلًا وإهانة.
تجمعت الدموع داخل عينيها سريعًا، لكنها حاولت أن تتمالك نفسها.
نهضت من الأرض بصعوبة وهي تشعر بأن عشرات العيون مسلطة عليها، ثم قالت بصوت منكسر:
-ا أنا آسفه! حاولة أنضفه بس صعب لأن المشروب طبع عليه لون، ومش عايز يطلع.
لكن اعتذارها لم يخفف شيئًا من غضب عليا التي صاحت بازدراء:
-مش المفروض تختاروا الناس الشغالة عندكم كويس؟ مش جايبين شوية بهايم عندكم!
شعرت مهره وكأن الكلمات كانت صفعات متتالية تهوي فوق كرامتها أمام الجميع.
لم يكن يؤلمها الطرد أو العقاب بقدر ما كان يؤلمها ذلك الاحتقار الذي تنظر به تلك المرأة إليها، وكأنها أقل قيمة من أن تعامل كبشر.
تقدم رجل تجاوزت سنوات عمره الكثير، إلا أن هيبته كانت كفيلة بأن تفرض الصمت على من حوله. كانت ملامحه تحمل وقارًا خاصًا لا يخطئه أحد، وعيناه تجولتا فوق مهره بنظرة متفحصة امتزج فيها الاستغراب بالاستياء.
توقفت أنفاس مهره للحظة وهي تشعر بأن جميع الأنظار ما زالت مسلطة عليها، ثم سمعته يسألها بصوت هادئ لكنه حازم:
-أنتى مين يا بنت؟
ازدادت دقات قلبها اضطرابًا، وشعرت بأن الكلمات عالقة في حلقها، لكنها أجبرت نفسها على الإجابة وهي تتحدث بصعوبة واضحة:
-ا.. أنا مهره، بنت أمينه الشغاله، وكنت جايه أساعدها النهارده.
لم تبدو على وجه الرجل أي علامة تعاطف، بل ازداد عبوسه وهو يقول بصرامة:
-تخدي أمك، ومشوفش وشكم هنا تاني.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها كانت كافية لتحطم ما تبقى من تماسكها.
ثم التفت الرجل نحو عليا وقال بأسف ظاهر:
-أحنا آسفين يا ست عليا، أتفضلي معايا غيري الفستان اللى عليكي ده، بواحد تاني.
رمقتها عليا بنظرة متعالية مليئة بالازدراء، نظرة جعلت مهره تشعر بأنها مجرد شيء لا قيمة له، ثم استدارت وصعدت مع الرجل إلى الأعلى دون أن تكلف نفسها عناء النظر إليها مرة أخرى.
وقفت مهره في مكانها للحظات عاجزة عن الحركة.
كانت تشعر بثقل الأنظار التي تلاحقها من كل اتجاه.
همسات خافتة، نظرات شفقة، وأخرى ساخرة.
وكل ذلك كان كفيلًا بأن يجعل رغبتها الوحيدة هي الاختفاء من أمام الجميع.
التفتت حولها بعينين دامعتين، ثم ركضت بسرعة نحو المطبخ محاولة الهروب من تلك اللحظة المهينة.
لكنها لم تنتبه لمن يقف أمامها.
اصطدمت فجأة بصدر أحد الشباب الخارج من الممر المؤدي إلى دورة المياه.
تراجعت للخلف بسرعة وهي تمسح دموعها المرتبكة وقالت فورًا:
-أنا آسفه!
نظر إليها الشاب باستغراب واضح.
كان من الواضح أنها كانت تبكي قبل لحظات، وأن شيئًا ما قد حدث لها.
عقد حاجبيه قليلًا وسألها:
-مالك يا أنسه؟
خرج صوتها متقطعًا بين شهقاتها:
-طردونا من الشغل، ومش عارفه أقول لماما الخبر ده أزاى؟
بدت الدهشة على وجهه وهو يسأل بعدم فهم:
-وليه عملوا كده؟!
رفعت عينيها إليه وقد امتلأتا بالدموع، ثم قالت بحنق شديد:
-علشان واحده إسمها عليا، متعجرفة وشايفة نفسها على الناس، زعقتلي على غلطة ماليش ذنب فيها، ربنا ينتقم منها، ست عاملة شبه الغوريلا والله.
كادت ضحكة تفلت منه رغمًا عنه.
حاول جاهدًا أن يحافظ على جديته وهو يسألها:
-متأكده أنها أسمها عليا؟
هزت رأسها بقوة مؤكدة كلامها، ثم أكملت بانفعال طفولي صادق:
-أيوه متأكده، قال عليا قال! دي مفروض يسموها أُمنا الغوله، أم رجل مسلوخه، إنما عليا اسم مش على مسمى.
هذه المرة لم يستطع السيطرة على نفسه.
تعالت ضحكاته بصورة واضحة، بينما كانت مهره تنظر إليه باستغراب غير مدركة سبب ضحكه.
ثم اقترب قليلًا وقال بصوت خافت:
-على ما أعتقد عليا دي، تبقى مرات بابا.
في لحظة واحدة اختفت ملامح الغضب من وجهها لتحل محلها الصدمة.
اتسعت عيناها بصورة مضحكة، وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بأن قلبها هبط إلى قدميها.
لقد كانت تسب زوجة والده منذ دقائق كاملة! قالت بسرعة مرتبكة:
-ها! ا أنا آسفه والله، متخدش عليا، أصلي مسحوبه من لساني حبتين.
ثم همست لنفسها بخوف حقيقي:
-روحتي في أبو بلاش يا مهره.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة أعجبته عفويتها أكثر مما ينبغي.
أخرج بطاقة صغيرة من جيبه، كان مدونًا عليها اسمه ورقم هاتفه الخاص وعنوان شركته، ثم مدها إليها قائلًا:
-ده الكارت بتاعي، تعالي الصبح على العنوان ده، وأنا هعوضك بشغل تاني أحسن من ده.
ترددت للحظة قبل أن تأخذ البطاقة.
كانت لا تزال تحاول استيعاب الموقف كله. رفعت عينيها إليه وسألته بحذر:
-و.. وحضرتك هتعمل معايا كده ليه؟
اقترب منها قليلًا، ثم قال بخفوت يحمل شيئًا من الدعابة:
-علشان أصلح اللي عملته، أم رجل مسلوخه فيكي.
اتسعت ابتسامته بعدها، ثم ابتعد عنها مجددًا.
كانت ابتسامة آسرتها بصورة غريبة، جعلتها تحدق فيه دون وعي للحظات.
تركها واقفة مكانها واتجه نحو الحفل بخطوات هادئة، بينما ظلت عيناها معلقتين بأثره.
فرجت شفتيها بدهشة حقيقية وهمست غير مصدقة:
-ده إنسان عادي ولا فيك؟! هو فيه حلاوة كده فى الدنيا؟
لكنها ما لبثت أن تذكرت والدتها.
اختفت الدهشة فورًا وحل محلها القلق.
قبضت على البطاقة بين أصابعها، ثم ابتلعت ريقها وتحركت نحو المطبخ بخطوات مرتجفة.
كلما اقتربت من أمها ازداد خوفها.
كيف ستخبر المرأة التي تعتمد على هذا العمل في لقمة عيشها أنهما فقدتاه في لحظة؟
وقفت خلفها أخيرًا وقالت بتردد:
-م.. ماما.
التفتت إليها أمينة وهي ما تزال منهمكة في العمل وقالت:
-خلصتي شغلك؟ يلا بقى تعالي ساعديني.
حركت مهره رأسها بالنفي وقالت بصوت خافت:
-م م مش هينفع.
استدارت أمينة إليها باستغراب:
-هو أيه اللي مش هينفع؟ أخلصي يلا، لسه ورانا شغل كتير.
اندفعت الكلمات من فم مهره بسرعة قبل أن تفقد شجاعتها:
-مافيش شغل يا ماما، أحنا أتطردنا منه.
تجمدت أمينة للحظة، ثم نظرت إليها وكأنها لم تستوعب ما قالته.
قالت وهي تحاول تصديق أن الأمر مجرد مزحة سخيفة:
-أنتى بتهزري صح! مش وقتك يا بنتي خلصي.
ثم استدارت وأكملت عملها.
لكن مهره اقتربت منها وأمسكت يدها برفق وأخذت منها ما كانت تحمله.
قالت بصوت هادئ تغلفه المرارة:
-يا ماما صدقيني، أنا بتكلم جد، واحده بره مسحت بكرامتي الأرض، مع إني مكنتش غلطانه، وعلشان يرضوا الهانم طردونا أحنا.
توقفت أمينة عن الحركة تمامًا.
وبدأت الحقيقة تتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا.
سرعان ما امتلأت عيناها بالدموع وهي تقول بقلة حيلة:
-ليه يا بنتي مشوفتيش شغلك شبه الناس؟ هنعمل أيه دلوقتى؟ هناكل ونشرب منين لما أقعد في البيت؟ ده كان مصدر رزقنا، حرام عليكي يا مهره هتفضلي لحد أمتى مستهترة كده؟
تألم قلب مهره من كلمات والدتها أكثر مما تألم من إهانة عليا نفسها.
اقتربت منها وهي تبكي وقالت بصوت مختنق:
-يا ماما! أنا معملتش حاجه، العصير عمل لون على الفستان، حاولة أطلعه بس مطلعش، زقتني برجليها على الأرض قصاد الناس كلها، وشتمتنى من غير ما أكون غلطانه، وفي الآخر طردني أنا وأنتى، علشان خاطرها، والله يا ماما هو ده اللي حصل.
انهارت أمينة فوق المقعد القريب منها.
بدا عليها التعب وكأن سنوات إضافية أضيفت إلى عمرها في تلك اللحظة.
وضعت يدها فوق رأسها وأخذت تنتحب قائلة:
-يا ميلة بختك يا أمينه، هنترمي في الشارع، علشان مش هنلاقي ندفع الإيجار.
شعرت مهره بعقدة مؤلمة تتشكل داخل صدرها.
لم تكن تبكي على نفسها، بل على تلك المرأة التي أفنت عمرها كله في الكفاح.
تكلمت بسرعة وهي تنظر إلى ما بيدها، كطوق نجاة:
-متقلقيش يا ماما، فيه واحد هنا أدني الكارت بتاعه، وقالي أروح ليه الصبح، وهيعوضني عن اللي حصل ده.
لكن كلماتها جاءت بنتيجة عكسية تمامًا.
انتفضت أمينة من مكانها بغضب مفاجئ. أمسكت شعر ابنتها بقوة وهي تصرخ:
-تروحي فين يا روح أمك؟ على آخر الزمن هسرحك عند الرجاله يا بنت بطني؟ أكيد نيته مش كويسه، وفكر أنه يقدر ياخد اللي عايزه منك بسهولة!
تأوهت مهره من الألم وهي تحاول إبعاد يدها عنها:
-لا يا ماما، الموضوع مش زي ما أنتي مفكره، هو بيعمل معايا كده علشان مرات أبوه هي السبب في طردنا من الشغل، ولو مش عايزانى أروح خلاص مش هروح، بس سيبي شعري أبوس أيدك.
دفعتها أمينة بعيدًا وهي تقول بغضب:
-هاتي الكارت بتاع الراجل ده!
أعطتها مهره البطاقة على مضض وقالت:
-أهو خدي.
تناولتها أمينة، ثم نظرت إليها لثوانٍ قبل أن تمزقها إلى قطع صغيرة وتنثرها فوق الأرض. وتكلمت بحسم لا يقبل النقاش:
-يلا بينا، ربنا كبير، وهيقف معانا.
نظرت مهره إلى بقايا البطاقة المتناثرة تحت قدميها. شعرت للحظة وكأن بابًا فتح أمامها ثم أغلق في اللحظة نفسها.
لكنها لم تعترض. اكتفت بهز رأسها طاعة لوالدتها.
ثم جمعتا أشياءهما القليلة، وغادرتا المكان بصمت ثقيل، بينما كانت خلفهما الأضواء ما تزال متوهجة، والموسيقى مستمرة، والحفل لم يتأثر بشيء، ليبقى وجع الفقراء لا يترك أثرًا في عالم الأغنياء.
**************************
في صباح اليوم التالي…
تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر الستائر الفاخرة لتغمر أرجاء الغرفة بضوء هادئ ودافئ، بينما كان معتصم لا يزال غارقًا في نومه بعد ليلة طويلة ومليئة بالأحداث.
لم يكن نومه عميقًا كما بدا، فحتى أثناء راحته كانت روحه مثقلة بأمور كثيرة لا يستطيع البوح بها لأحد. ضغوط العمل، قسوة والده، وتلك الحياة التي يعيشها مجبرًا لا مختارًا، كلها كانت تثقل صدره يومًا بعد يوم.
قطع شروده صوت مألوف يحمل من الحنان ما يكفي لتهدئة أكثر القلوب اضطرابًا.
اقتربت والدته من فراشه وجلست بجواره، ثم قالت بصوتها الدافئ الذي اعتاد أن يكون ملاذه الوحيد:
-معتصم، أصحى يا حبيبي يلا.
فتح عينيه ببطء، وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة صادقة افتقدها منذ زمن.
ابتسامة لا تظهر إلا في وجودها هي. وقال بحب واضح:
-صباح الورد على عيونك يا قلبي.
تلألأت عيناها بحنان وهي تمرر يدها بين خصلات شعره كما كانت تفعل منذ طفولته. وقالت بنبرة يغلفها الدفء:
-صباح النور يا عيوني، يلا يا حبيبي اصحى، علشان متتأخرش على الشركه، مش ناقصين نسمع كلمتين من أبوك ملهمش لازمه.
اختفت ابتسامته تدريجيًا.
وعادت تلك الغمامة الثقيلة لتخيم فوق ملامحه. تنهد بضيق، ثم اعتدل جالسًا فوق الفراش ونظر إليها بوجه عابس يحمل من الإرهاق النفسي أكثر مما يحمل من النعاس. وقال بصوت مختنق:
-أنا زهقت يا ماما، ومستحمل علشانك، عارف لو عملت حاجة معاه، بيجي يطلعه فيكي، علشان كده بنفذ اللي يطلبه مني غصب عني.
تألم قلبها وهي تنظر إلى ابنها.
كانت تعلم جيدًا حجم المعاناة التي يعيشها. تعلم أنه لا يكره والده بقدر ما يكره الظلم الذي يتعرض له بسببه.
وتعلم أيضًا أنه يتحمل كل شيء من أجلها هي فقط. خفضت عينيها بحزن وقالت:
-نعمل أيه بس يا ابنى؟ منها لله مراته هي سبب قسوة أبوك عليك، قوم يا حبيبي علشان خاطري.
لمع الألم داخل عينيه للحظة. كم كان يكره رؤية الحزن داخل ملامحها.
نهض من فوق الفراش واقترب منها، ثم انحنى يقبل رأسها بحب كبير وقال:
-وحياتك عندي، هخلصك منها قريب أوي، أصبري عليا بس.
توقفت لثوانٍ تنظر إليه. كانت ترغب في تصديقه. بل كانت تتمنى ذلك من أعماق قلبها. لكنها تعلم أن الطريق ليس سهلًا.
نهضت من مكانها وقالت بصوت خافت امتزج بالحزن:
-هنزل أنا بقى، علشان أشوف اللي ورايا.
تابعها بعينيه وهو يشعر بوخز مؤلم داخل صدره. كم كان يؤلمه أن يرى والدته تعيش داخل هذا البيت وكأنها ضيفة غير مرغوب بها. تكلم بصوت مبحوح قليلًا:
-أنا كلمت واحده أمبارح علشان تيجي تساعدك في شغل الفيلا، وهتيجي تقابلني النهارده في الشركه.
ارتسمت ابتسامة ممتنة فوق وجهها.
فمهما كبر ابنها سيظل السند الوحيد لها.
وقالت بحب:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي ويجبر بخاطرك يارب.
ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
ظل معتصم ينظر إلى الباب لثوانٍ طويلة بعد رحيلها.
ثم أطلق زفرة مثقلة بالهموم قبل أن يتجه إلى المرحاض.
وقف أسفل المياه الدافئة لفترة طويلة.
كان يحاول أن يغسل عن روحه كل ذلك الغضب المتراكم داخله.
لكن بعض الأوجاع لا تمحوها المياه.
وبعض الجروح تسكن القلب لا الجسد.
أغلق المياه أخيرًا، ثم لف المنشفة حول خصره وخرج من الحمام. ارتدى ملابسه بعناية. قميصه الأنيق.. ساعته الفاخرة.. وعطره المميز الذي اعتاد استخدامه.
وقف أمام المرآة للحظات طويلة.
كان يبدو شابًا ناجحًا من الخارج.
شخصًا يملك المال والمكانة والنفوذ.
لكن ما يختبئ خلف تلك الصورة كان مختلفًا تمامًا.. ففي داخله كان هناك رجل متعب.
رجل يحارب كل يوم ليحافظ على ما تبقى من نفسه. تنهد أخيرًا ثم ارتدى حذاءه وغادر الغرفة.
هبط الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي بخطوات هادئة.
لكن ما إن وصل حتى شعر بذلك التوتر المألوف يلتف حوله من جديد.
رفع عينيه ليجد والده جالسًا يتابعه بنظرات غاضبة كعادته.
أغمض عينيه للحظة محاولًا السيطرة على انفعاله. ثم اقترب منه وقال بصوت مختنق:
-صباح الخير يا بابا.
لم يتلقى الرد الذي يتمناه أي ابن من والده. بل جاءه صوت عاصم حادًا وقاسيًا:
-قصدك تقول مساء الخير! الساعه كام معاك؟
أحس معتصم بأن أعصابه بدأت تتوتر.
لكنه أجبر نفسه على التماسك وقال:
-آسف يا بابا، راحت عليا نومه، أحنا راجعين من الحفله متأخرين.
وقبل أن يرد والده، تدخل صوت عليا السام كعادته. التفتت إليه بنظرة ازدراء وقالت:
-ما أحنا جاين معاك أمبارح، ومع ذلك صاحين من قبلك بكتير، للآسف دلع مامتك فيك اللى وصلك لكده، عمرك ما هتبقى راجل يعتمد عليك.
تصلبت عضلات فكه فورًا. واشتعلت نيران الغضب داخله. لكن رغم ذلك لم يتكلم.. أغلق عينيه بقوة. وضغط على أسنانه حتى كاد يحطمها.
بينما انقبضت قبضته بقوة شديدة حتى برزت عروق يده. كان يتمنى لو يرد عليها. لو يخبرها بكل ما يخفيه في صدره منذ سنوات.
لكن صورة والدته ظهرت أمامه فورًا.
فتراجع. كما يفعل دائمًا.
لاحظ والده صمته فهدر به بغضب:
-أتفضل غور من وشي، وروح الشركه يلا.
رفع معتصم رأسه ببطء. نظر إلى والده نظرة امتلأت بالألم أكثر مما امتلأت بالغضب. ثم استدار دون أن ينطق بكلمة واحدة.
فالكلمات لم تعد تجدي نفعًا منذ زمن.
خرج من الفيلا بخطوات سريعة. واتجه مباشرة نحو سيارته.
أغلق الباب بعنف خلفه. وفي اللحظة التي أصبح فيها بمفرده.. انفجر كل ذلك الغضب المكتوم.
أخذ يلكم المقود بقوة مرة تلو الأخرى.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف. وأنفاسه متسارعة بصورة واضحة.
ثم أسند جبهته فوق المقود وأغمض عينيه. محاولًا استعادة هدوئه قبل أن يفقد السيطرة على نفسه بالكامل.
مرت عدة ثوانٍ ثقيلة. قبل أن يرفع رأسه أخيرًا.
أدار المحرك. وانطلقت السيارة بسرعة جنونية تشق الطريق.
***************************
“الفصل الثاني”
استيقظت مهره من نومها ببطء، وما إن فتحت عينيها حتى وقعت نظراتها على والدتها النائمة بجوارها. كانت أمينة غارقة في نوم متعب، الحزن الذي حملته بالأمس قد استنزف ما تبقى من قوتها.
ظلت مهره تتأمل ملامحها لعدة لحظات.
ذلك الوجه الذي حفرت السنوات فوقه آثار التعب والكفاح.
تلك المرأة التي لم تعرف يومًا معنى الراحة، والتي قضت عمرها كله تركض خلف لقمة العيش حتى تؤمن لها حياة كريمة. شعرت بوخزة مؤلمة داخل قلبها.
ثم عادت أحداث الأمس كلها تتدفق إلى عقلها دفعة واحدة.
تنهدت بضيق وهي تشعر بثقل كبير فوق صدرها.
وسرعان ما حضرت صورة معتصم إلى ذهنها.. تذكرت ابتسامته الهادئة.
وطريقته المختلفة في الحديث معها.
وتذكرت البطاقة التي مزقتها والدتها قبل أن تتمكن من الاستفادة منها.
عضت شفتيها بحيرة. كانت تعلم أن والدتها لن توافق أبدًا على ذهابها إليه.
لكنها كانت تعلم أيضًا أن جلوسهما بلا عمل سيقودهما إلى كارثة حقيقية.
وبين خوفها من غضب والدتها وخوفها من المستقبل، حسمت قرارها أخيرًا.
ستذهب إليه.. ولو لمرة واحدة فقط.
على الأقل لتعرف ما الذي كان يقصده.
نهضت من فراشها بحذر شديد حتى لا توقظ والدتها.
ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
اتجهت مباشرة إلى الحمام وأخذت حمامًا دافئًا محاولة طرد التوتر الذي يسيطر عليها. بعد دقائق خرجت وجففت شعرها بسرعة. عادت إلى الغرفة بخطوات هادئة.
ارتدت ملابسها البسيطة بعناية.
مشطت شعرها الطويل ثم عقدته خلف رأسها. وأمسكت حقيبة يدها الصغيرة.
وقبل أن تغادر، التفتت نحو والدتها مرة أخيرة. كانت أمينة لا تزال نائمة.
تأملتها بحزن. شعرت بوخزة من تأنيب الضمير لأنها ستفعل شيئًا دون علمها.
لكنها أقنعت نفسها أنها تفعل ذلك من أجلها.
تنهدت بصمت ثم غادرت المنزل.
هبطت الدرج المؤدي إلى الشارع.
وأوقفت سيارة أجرة. أعطت السائق العنوان الذي كانت قد حفظته من البطاقة قبل تمزيقها.
ثم جلست في الخلف وهي تعبث بأصابعها بتوتر طوال الطريق.
كلما اقتربت من وجهتها ازداد خفقان قلبها.
لم تكن معتادة على دخول أماكن كهذه.
ولم تكن تعرف أصلًا ماذا ينتظرها هناك.
بعد وقت من السير توقفت السيارة أمام مبنى ضخم يحمل اسم الشركة.
رفعت رأسها تنظر إليه بانبهار واضح.
كان المبنى شامخًا بصورة تعكس حجم المكانة التي تتمتع بها الشركة.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم دفعت الأجرة وترجلت من السيارة.
تقدمت نحو البوابة الرئيسية بخطوات مترددة.
لكن رجال الأمن أوقفوها فورًا.
تبادلت معهم نظرات مرتبكة قبل أن تخبرهم أنها جاءت لمقابلة معتصم بناءً على موعد مسبق.
نظر أحدهم إليها باستغراب قبل أن يجري اتصالًا هاتفيًا للتأكد من الأمر.
في الطابق العلوي…
كان معتصم جالسًا داخل مكتبه يتابع بعض الملفات حين وصله الخبر.
وما إن سمع اسمها حتى تذكر تلك الفتاة المشاكسة صاحبة التعليقات الغريبة التي جعلته يضحك للمرة الأولى منذ فترة طويلة.
ارتسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتيه وهو يأمرهم بإحضارها فورًا.
أما في الأسفل…
فعاد رجل الأمن إليها وأخبرها أن تصعد معه.
سارت خلفه داخل المبنى وهي تنظر حولها بانبهار حقيقي.
كل شيء هنا مختلف عن عالمها.
الأرضيات اللامعة. المكاتب الأنيقة.
الموظفون الذين يتحركون في كل اتجاه بثقة ونظام.
شعرت للحظة وكأنها دخلت عالمًا آخر.
عالمًا كانت تحلم أن تنتمي إليه يومًا ما.
وصلت أخيرًا إلى الطابق المطلوب.
ثم توقف الرجل أمام أحد المكاتب الفخمة وقال لها:
-ده مكتب معتصم باشا.
ابتسمت له بتوتر. وشعرت فجأة بأن قلبها بدأ يخفق بسرعة جنونية.
رفعت يدها المرتجفة وطرقت الباب.
وبعد لحظات سمعت صوته يسمح لها بالدخول. فتحت الباب سريعًا. ودلفت إلى الداخل.
فور وقوع عينيها عليه شعرت بذلك الارتباك الغريب الذي أصابها عندما رأته أول مرة. وقالت بتلعثم:
-ص صباح الخير، أنا جيت زي ما حضرتك طلبت مني.
رفع رأسه نحوها وابتسم ابتسامة هادئة وقال:
-أتفضلي أقعدي يا أنسه.
تحركت نحو المقعد وجلست بحذر واضح. كانت تشعر وكأنها تجلس داخل مكتب أحد الوزراء لا مكتب رجل أعمال.
ثم قالت بتوتر:
-ش شكراً، م ممكن حضرتك ندخل في الموضوع على طول؟ وتقولي شغل أيه ده اللي حضرتك قولتلي عليه؟
أومأ برأسه متفهمًا توترها. ثم قال موضحًا:
-أنا عندي والدتي ست كبيره في السن، ومع ذلك بتقوم هي بشغل البيت، والفيلا كبيره جدًا عليها، فيه طبعاً شغالين موجودين، بس ليهم مهمات تانيه، وبيخدموا ناس تانيه، علشان كده أنا محتاجك أنتي ووالدتك تيجوا تساعدوها، وتكونوا ليها هي ملكمش علاقه بأى حد تاني.
استمعت إليه بانتباه شديد. لكنها عقدت حاجبيها باستغراب قبل أن تسأله:
-مامتك! تقصد مامتك مامتك؟ ولا مرات ابوك اللي هي مدام عليا دي؟
بدت الضيقة واضحة فوق وجهه فور سماع اسم عليا. وهز رأسه نافيًا بسرعة:
-لا، أقصد أمي أنا، ماليش دعوه باللي إسمها عليا دي، وشغلك هيبقى مع ماما وبس.
راقبت ملامحه للحظات. وكان واضحًا لها أن هناك شيئًا لا تعرفه في هذه العائلة.
أومأت برأسها ثم سألت بفضول عفوي:
-ماشي اللي حضرتك تشوفه، بس هي مامتك ومرات باباك عايشين في فيلا واحده؟!
تنهد بضيق واضح. ولم يبدو راغبًا في الخوض بالتفاصيل. لذلك قال مختصرًا:
-أيوه، المهم دلوقتي رأيك أيه في الكلام اللي قولته ليكي؟ ومتقلقيش المرتب هيكون مرضي ليكم.
أسرعت بالرد موضحة:
-بس أنا مكنتش شغاله مع ماما، أنا كنت بساعدها بس في أيام الإجازة بتاعة الجامعة، لكن أيام الدراسه أنا ببقى مركزه في المذاكره ومش بنزل أساعدها.
رفع حاجبيه بدهشة حقيقية. ثم سألها باستغراب:
-أنتي بتدرسي في الجامعه؟ كلية أيه؟
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل قدرًا من الفخر وقالت:
-كلية هندسة، قسم هندسة معمارية.
لأول مرة ينظر إليها بطريقة مختلفة.
فلم تعد في نظره مجرد فتاة بسيطة تعمل مع والدتها. بل فتاة طموحة تكافح لتصنع مستقبلها. وتكلم بإعجاب صادق:
-طيب كويس، أتخرجي بقى وإن شاءالله أوظفك هنا، أحنا بنبقى محتاجين على طول مهندسين معمارين حديث التخرج، علشان ندربهم عندنا في الشركه على أحدث الأساليب في بناء المنتجعات وغيرها كتير.
اتسعت عيناها بسعادة لم تستطع إخفاءها. وقالت بحماس طفولي:
-بجد !؟ ده أنا طول عمري بحلم أن أشتغل في شركتكم بعد التخرج.
ابتسم وهو يرى ذلك البريق الصادق داخل عينيها. ثم قال مؤكدًا:
-إن شاءالله، المهم دلوقتي بلغي والدتك بالكلام اللي أنا قولته ليكي، وشوفي هتيجي أمتى تستلم الشغل في الفيلا؟
أومأت برأسها بسرعة. ثم نهضت من مكانها وقالت بتوتر:
-حاضر، بس ممكن كارت تاني زي اللي حضرتك أدتهوني، علشان ضاع مني.
كاد يبتسم وهو يتخيل كيف “ضاع” الكارت. لكنه لم يعلق.
أخرج بطاقة جديدة ومدها إليها قائلًا:
-أهو حافظي عليه بقى!
أخذتها بسرعة ووضعتها داخل حقيبتها كأنها كنز ثمين. وقالت:
-ا أنا لازم أمشي بقى، عن أذن حضرتك.
واستدارت نحو الباب. لكن قبل أن تخرج، أوقفها صوته:
-مقلتيش أسمك أيه؟
التفتت نحوه. وللمرة الأولى التقت عيناهما لثوانٍ أطول من المعتاد.
ثم قالت بصوت هادئ:
-أسمي مهره!
ظل يردد الاسم داخل عقله للحظة.
اسم يليق بها بصورة غريبة.
أما هي ففتحت الباب وغادرت سريعًا قبل أن يزداد توترها. أغلقت الباب خلفها. ثم أطلقت زفرة طويلة كانت تحبس أنفاسها طوال المقابلة.
وهمست لنفسها وهي تسير بالممر:
-يخربيت كده، مفهوش غلطه، يا بختها اللي هتكون من نصيبها.
لكنها ما لبثت أن تذكرت والدتها. فتلاشت ابتسامتها سريعًا. وأسرعت نحو المصعد.
ثم غادرت الشركة واستقلت سيارة أجرة عائدة إلى المنزل. وفي الطريق.. كانت تفكر في شيء واحد فقط.
كيف ستقنع أمينة بهذه الفرصة دون أن تشعل حربًا جديدة داخل البيت.
**************************
طوال الطريق إلى المنزل كانت مهره تعيش حالة من التوتر لم تعهدها من قبل. كانت تنظر من نافذة سيارة الأجرة إلى الشوارع المزدحمة دون أن تراها حقًا، بينما عقلها منشغل بشيء واحد فقط.. كيف ستواجه والدتها؟
كانت تعلم أن أمينة ليست امرأة سهلة الخداع، بل تعرف ابنتها أكثر مما تعرف نفسها أحيانًا.
وكانت تعلم أيضًا أن اختفاءها من المنزل دون إخبارها سيشعل غضبها بالتأكيد.
تنهدت بقلق وهي تعصر حقيبتها بين أصابعها، ثم رفعت رأسها عندما توقفت السيارة أمام البناية.
دفعت الأجرة سريعًا وهبطت من السيارة. صعدت الدرج بخطوات مترددة،
وما إن وصلت أمام الباب حتى شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بقوة. أدخلت المفتاح في القفل. ثم دلفت إلى الداخل ببطء.
وفي اللحظة التالية تجمدت في مكانها.
كانت أمينة تجلس على الأريكة في منتصف الصالة. كانت تنتظرها.
ورغم هدوء جلستها إلا أن الغضب المرتسم فوق ملامحها كان كافيًا ليجعل مهره تبتلع ريقها بصعوبة.
أغلقت الباب خلفها ببطء شديد.
ثم اقتربت منها بحذر وهي تقول بتلعثم:
-م ماما أنتي صحيتي؟
رفعت أمينة حاجبها وهي تنظر إليها نظرة جعلتها تتمنى لو ابتلعتها الأرض في تلك اللحظة. ثم قالت بغضب:
-لا، لسه نايمه يا روح أمك، كنتي فين يا بت؟ وأيه نزلك من البيت من غير ما تقوليلي؟
ازداد ارتباك مهره أكثر. وحاولت سريعًا أن تبحث عن أي مبرر مقنع. وقالت بصوت متقطع:
-ها! ك كنت بدور على شغل، و ولاقيتك نايمه مرضتش أصحيكي.
لم تبدو أمينة مقتنعة على الإطلاق.
بل ضيقت عينيها أكثر وهي تراقب توتر ابنتها الواضح. ثم قالت مباشرة:
-كنتي بدوري على شغل؟ ولا روحتي لشاب اللي قابلتيه أمبارح في الحفله؟
شعرت مهره وكأن قلبها توقف عن النبض لثانية كاملة. هل اكتشفت الأمر؟
أغلقت عينيها للحظة وهي تحاول السيطرة على ارتباكها. ثم قالت بسرعة:
-ل لا طبعاً، ما أنتي أخدي الكارت وقطعتيه، ومكنتش شوفت العنوان ولا رقمه، هعرف أزاي أروح عنده؟
ظلت أمينة تحدق فيها لثوانٍ طويلة.
ثوانٍ شعرت خلالها مهره بأنها تحت جهاز كشف الكذب. ثم هتفت أمينة بحدة:
-أنتي عارفه لو بتكدبي عليا هعمل فيكي أيه؟
هزت مهره رأسها بسرعة وقالت بتوتر:
-ع عارفه طبعاً.
ظلت أمينة تراقبها قليلًا.
ثم يبدو أنها قررت تصديقها أو على الأقل تأجيل الشكوك داخلها.
فعادت لتجلس فوق الأريكة وقالت متسائلة:
-ولاقيتي شغل على كده؟
هنا شعرت مهره ببعض الارتياح.
وعرفت أن عليها إكمال الكذبة للنهاية. فقالت بسرعة:
-أيوه، وأحسن من اللي كنتي فيه، واحده صحبتي قالتلي عليهم، ناس غنيه أوي، عندهم فيلا ومحتاجين حد يساعد ست كبيره في خدمة البيت ده.
وما إن أنهت كلماتها حتى لاحظت التغير الفوري الذي أصاب ملامح والدتها.
اختفى القلق..وحل محلهما الأمل.
ذلك الأمل البسيط الذي يتمسك به الفقراء كلما أغلقت الحياة في وجوههم بابًا. نظرت إليها أمينة باهتمام واضح وقالت بسعادة:
-بجد! طيب مقالتش نروح أمتى نقابل الناس علشان ابدأ شغل؟ عايزه الحق أول الشهر، علشان أقبض وأدفع إيجار الشقه.
شعرت مهره بوخزة صغيرة داخل قلبها.
كانت ترى الفرحة ترتسم على وجه والدتها لأول مرة منذ ليلة الأمس.
وهو ما جعل تأنيب ضميرها يزداد أكثر.
لكنها تماسكت وقالت:
-صحبتي هتكلمهم، وتروحي من بكره تستلمي الشغل على طول.
تنهدت أمينة بارتياح كبير. وكأن جبلًا كاملًا أزيح عن صدرها. ثم رفعت وجهها إلى السماء قائلة بسعادة وامتنان:
-يا أما أنت كريم يارب، كنت شايله الهم الحمدلله.
راقبتها مهره بصمت. وشعرت بأن قلبها يعتصر ألمًا. كم كان الأمر صعبًا عليها أن تكذب على والدتها.
لكنها في المقابل لم تستطع تجاهل تلك السعادة التي تراها الآن في عينيها.
ابتسمت لها برقة وقالت:
-هبقى أجبلك العنوان فين الظبط، وأخدك ونروح على الفيلا، وساعدك لحد ما تبدأ الدراسه.
هزت أمينة رأسها موافقة وقالت:
-ماشي يا حبيبتي، أدخلي غيري هدومك، على ما أحضر الأكل.
ثم نهضت واتجهت إلى المطبخ بخطوات أكثر خفة من ذي قبل.
بقيت مهره واقفة مكانها تتابعها بعينيها.
حتى اختفت داخل المطبخ.
عندها فقط تلاشت الابتسامة من فوق وجهها. وحل محلها شعور مؤلم بالذنب.
نظرت إلى الأرض وهمست بصوت منخفض:
-أنا آسفه يا ماما، كنت مضطره أكدب عليكي علشان أشوفك وأنتي فرحانه كده، الراجل مكانش فيه أي حاجه في ضميره وحشه، وأنا اخترت الصح والانسب لينا.
سكتت للحظة. ثم تنهدت بعمق.
كانت تدعو من داخلها أن تكون محقة.
أن يكون حدسها صحيحًا. وأن يكون قرارها هذا بداية فرج لا بداية مشكلة جديدة. تحركت بعدها نحو غرفتها.
بدلت ملابسها المخصصة للخروج بملابس أكثر راحة. ثم خرجت مجددًا إلى الصالة. كانت رائحة الطعام قد بدأت تملأ المكان. رائحة بسيطة ومتواضعة.
لكنها تحمل دفئًا لا يمكن شراؤه بكل أموال العالم.
جلست على المقعد حول طاولة الطعام.
وبدأت تتناول الطعام مع والدتها.
كانت أمينة تتحدث بحماس عن العمل الجديد وما يمكن أن يغيره في حياتهما.
بينما كانت مهره تستمع إليها في صمت.
وعلى الرغم من القلق الذي كان يسكن قلبها، إلا أن رؤية والدتها تبتسم بهذه الراحة جعلتها تشعر بأن
كل ما فعلته اليوم كان يستحق.
ففي بعض الأحيان.. يكفي أن ترى الشخص الذي تحبه سعيدًا، حتى تتحمل وحدك ثقل الكذب والخوف والقلق من أجل تلك الابتسامة.
*************************
“الفصل الثالث”
مرت عدة أيام منذ ذلك اللقاء الذي جمع مهرة بمعتصم داخل الشركة، أيام حاولت خلالها أن تبدو طبيعية أمام والدتها، بينما كانت تخفي داخلها سرًا صغيرًا تخشى انكشافه في أي لحظة.
وفي صباح أول يوم عمل لهما داخل الفيلا.
انطلق صوت المنبه يقطع سكون الغرفة.
تململت مهرة فوق فراشها بضيق، ثم مدت يدها سريعًا وأغلقته. ظلت للحظات تنظر إلى سقف الغرفة وهي تستوعب أن اليوم المنتظر قد جاء أخيرًا.
اليوم الذي سيحدد الكثير من الأمور في حياتهما. تنهدت بعمق ثم أعتدلت على فراشها. وربتت على كتف أمينة برفق قائلة:
-ماما، أصحي يلا يا حبيبتي.
فتحت أمينة عينيها ببطء شديد، ثم نظرت إليها وهي تتثاءب وقالت:
-هي الساعه كام يا بنتي؟
أجابتها مهرة بنبرة هادئة:
-الساعه تسعه يا ماما.
اعتدلت أمينة في جلستها ثم قالت وهي تفرد ذراعيها بتكاسل:
-الواحد جسمه ريح اليومين اللي قعدهم دول.
ابتسمت مهرة بخفة وهي تراها تستعيد شيئًا من نشاطها الذي افتقدته منذ خسارة العمل السابق.
نهضت أمينة من فراشها وغادرت الغرفة متجهة إلى الحمام.
انتظرت مهرة حتى اختفت من أمامها تمامًا. ثم أغلقت باب الغرفة بسرعة.
أخرجت هاتفها من جيبها وهي تنظر حولها بحذر، كانت تعلم أنها يجب أن تتحدث مع معتصم قبل وصولهما.
ضغطت على الرقم الذي حفظته جيدًا خلال الأيام الماضية.
وظلت تنتظر الرد وقلبها ينبض بتوتر.
وبعد لحظات سمعت صوته يأتيها من الطرف الآخر:
-السلام عليكم، مين معايا؟
تنفست براحة بسيطة وقالت بسرعة:
-ا أنا مهرة يا أستاذ معتصم، نص ساعه بالكتير ونكون عند حضرتك أنا وماما، بس أرجوك بلاش تجيب سيره ليها أن أنا جيت عند حضرتك الشركه، ولا أن حضرتك أدتني الكارت بتاعك في الحفله.
انعقد حاجباه باستغراب وهو يسأل:
-ليه يا أنسه فيه مشكلة ولا حاجة؟
أسرعت تشرح له الأمر:
-ل لا، خالص والله، بس كل الحكايه أن ماما كانت رافضه أن أجي لحضرتك في الشركة، فكرت أن نيتك وحشه، ولما جتلك قولتلها أني كنت عند واحده صحبتي، وهي اللي جايبه الشغل ده ليها، ياريت حضرتك متزعلش من اللي قولته ده، ب بس ماما بتخاف عليا أوي، علشان كده بتبقى قلقانه طول الوقت وبتشك في أي حد.
استمع إليها بهدوء. وفي الحقيقة لم يشعر بالضيق كما توقعت.
بل وجد نفسه يتفهم خوف أمينة تمامًا.
ففي مثل ظروفهما يصبح الحذر ضرورة لا مبالغة. لذلك قال بهدوء:
-تمام، مافيش مشكلة، وأنا برضه هفهم ماما الوضع، علشان متغلطش وتقولها، لأن أنا حكيت ليها كل حاجة.
تنهدت مهرة بارتياح كبير وكأن جبلًا أزيح عن صدرها. ثم قالت بامتنان صادق:
-أنا متشكره جداً لحضرتك، مش عارفه أقولك أيه؟ وقفت جنبنا، وساعدنا على ذنب أنت معملتهوش.
أجابها بجدية:
-أنا معملتش حاجه، أحنا فعلاً كنا محتاجين واحده تساعد ماما، وحصل اللي حصل علشان يكون ليكم نصيب في الشغل ده، أنا هقفل دلوقتي وأنتوا متتأخروش، علشان متأخرش على الشركة.
أغلقت الهاتف وهي تشعر براحة أكبر.
ثم أسرعت لتبديل ملابسها.
وبعد قليل كانت هي ووالدتها جاهزتين للخروج.
*************************
بعد مرور بعض الوقت…
وقفتا أمام الفيلا الخاصة بعائلة معتصم.
كانت الفيلا أكثر فخامة مما تخيلته أمينة.
أما مهرة لم تستطع منع نفسها من التأمل في جمال المكان. ساعدهما رجال الأمن في الدخول. وسارا خلف أحدهم حتى وصلا إلى الداخل.
وقفت مهرة بجوار والدتها في هدوء.
ورأسها منخفضة باحترام. لكن سوء الحظ كان بانتظارها. فقد ظهرت عليا فجأة أمامهما. توقفت تنظر إليهما باستغراب.
ثم اقتربت من مهرة أكثر وهي تضيق عينيها محاولة تذكر شيء ما. وقالت بتساؤل:
-أنا شفتك فين قبل كده؟ أنا حاسه أن أعرفك!
شعرت مهرة بأن الدم انسحب من وجهها. وكادت الأرض تنشق وتبتلعها من شدة التوتر. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
-ها! ل لا، أول مره أقابل حضرتك.
لم تبدو عليا مقتنعة. بل ظلت تحدق بها للحظات طويلة قبل أن تقول:
-لا، أنا فاكره أني شفتك قبل كده، بس فين مش فاكره! المهم دلوقتي أنتوا اشتغلتوا فين قبل كده؟
وفي اللحظة المناسبة ظهر معتصم.
وكأنه أدرك الموقف فور رؤيته لملامح مهرة المرتبكة. فتدخل سريعًا قائلًا:
-عند أهل صديق ليا، وأنا جبتهم لما عرفت كل حاجة عنهم، واتأكد أنهم ناس أمينه متقلقيش.
نظرت إليه عليا طويلًا. ثم قالت بنبرة آمرة:
-ماشى معنديش مانع، بس أى غلطة أنت اللي هتتحاسب، فاهم؟
اشتدت عضلات فكه غضبًا.
لكنه نظر إلى مهرة وأمينة وقال:
-امشوا يلا تعالوا معايا.
قادهم إلى الطابق العلوي. ثم توقف أمام إحدى الغرف وطرق الباب بخفة قبل أن يدلف إلى الداخل.
تبعتاه. فوجدتا امرأة في العقد الخامس من عمرها.
كانت ملامحها هادئة بصورة مؤلمة.
وجه يحمل آثار سنوات طويلة من القهر والصبر. ورغم ذلك بقيت فيه لمسة حنان واضحة لا تخطئها العين.
ابتسمت لهما فور رؤيتهما وقالت بلطف:
-أتفضلوا نورتوا المكان.
شعرت أمينة براحة غريبة تجاهها من أول لحظة. وقالت باحترام:
-يزيد فضلك يا ست هانم.
قاطعتها السيدة بسرعة وهي تلوح بيدها:
-لا لا، بلاش ست هانم دي، كفايه تقولوا مدام حنان.
ازداد إعجاب مهرة بها أكثر. ثم قالت بعفويتها المعتادة:
-حضرتك طيبه أوى، غير الست الشريره اللي تحت دي.
اتسعت عينا أمينة بصدمة. ثم هتفت بغضب:
-بنت عيب كده! حسك عينك تتكلمي في حاجة ملكيش فيها، فاهمة؟
خفضت مهرة رأسها فورًا وقالت بأسف:
-حاضر يا ماما، أنا آسفه.
ضحكت حنان بخفة لأول مرة منذ فترة طويلة. بينما شعر معتصم بسعادة خفية لرؤية والدته تبتسم. ثم قال بنبرة عملية:
-أنا همشي بقى، مش هوصيكم على أمي، خدوا بالكم منها كويس، ولو فيه أى حاجة أتصلي بيا، رقمي معاكي.
وفور انتهاء الجملة، شعرت مهرة أن قلبها سقط في قدميها.
أما أمينة فالتفتت نحوها ببطء شديد.
ونظرات الشك بدأت تتجمع داخل عينيها. ثم قالت بغضب:
-ورقم حضرتك بيعمل أيه معاها؟
كادت مهرة تختنق من التوتر. ورمقت معتصم بنظرة استغاثة واضحة. فأسرع هو قائلًا:
-ما أنا أخده من صاحبي، علشان اتواصل معاكم واقلكم العنوان.
لكن أمينة لم تقتنع تمامًا. والتفتت نحو ابنتها قائلة:
-أنتي مش قلتي، أن الشغلانه دي واحده صحبتك هي اللي جيباها؟
ابتلعت مهرة ريقها بصعوبة. ثم قالت بسرعة وهي تخترع قصة جديدة:
-ها! ا آه واحده صحبتي عن طريق واحده صحبتها اللي هو أخوها صاحب أستاذ معتصم.
نظر إليها معتصم باستغراب واضح.
وكاد يضحك من كمية التخبط التي تتحدث بها. لكنه فضل الصمت. ثم قال سريعًا:
-أنا ماشي!
وغادر الغرفة قبل أن تتورط أكثر.
هبط إلى الطابق السفلي.
وكان ينوي مغادرة الفيلا والتوجه إلى الشركة. لكن قبل أن يصل إلى الباب سمع صوت والده يهتف به:
-أنت يا ولد استنى هنا.
توقف مكانه. وأغلق عينيه بضيق.
فهو يعرف جيدًا أن شيئًا سيئًا سيأتي بعد هذه النبرة.
استدار نحوه وقال بصوت مختنق:
-نعم يا بابا!
اقترب منه عاصم بملامح غاضبة وقال:
-أيه موضوع الشغالين اللي أنت جايبهم دول؟ أزاي تتصرف من دماغك؟ مش المفروض تقولي قبل ما تتصرف تصرف زي ده؟
تنهد معتصم بضيق ثم قال:
-عادي يا بابا، جبتهم يساعدوا ماما لأنها كبرت، مبقتش زي الأول، والحمل بقى تقيل عليها، رغم أن فيه خدامين كتير في الفيلا، بس مراتك بتقصد تذل أمي وتشغلها زيهم، مع أن مفروض يكونوا الاتنين زي بعض، وليهم نفس الصلاحيات في البيت هنا.
ولم يكد ينهي كلامه حتى تلقى صفعة قوية. ارتد رأسه إلى الجانب من قوة الضربة.
بينما دوى صوت والده الغاضب:
-أخرس يا قليل الأدب، أتكلم على مرات أبوك كويس، وبعدين هي مغصبتش على أمك في حاجة، هى اللي عملت كده من نفسها، طول عمرها تحب تقلل من نفسها وتعيش دور الضحيه.
اشتعل الغضب داخل صدر معتصم.
لكن هذه المرة لم يستطع السكوت.
وتكلم بصوت مختنق بالألم:
-حضرتك اللي قللت منها، لما روحت أتجوزت عليها واحده زي دي وكسرتها، قللت منها لما لاغية وجودها من حياتك وجريت وراه واحده أقل مننا في المستوى والتفكير، وأقل مننا في كل حاجة، أنت اللي عملت فيها كده متجيش دلوقتي وتلوم عليها.
اتسعت عينا عاصم من الصدمة والغضب. ثم أمسكه من ملابسه بعنف وقال:
-أنت أتجننت! أزاي تسمح لنفسك تتكلم معايا كده؟ شكلك وحشك الضرب بتاع زمان؟ قلت بقيت راجل أطول مني، وبلاش أمد أيدي عليك، بس شكلي كنت غلطان.
امتلأت عينا معتصم بالدموع. ليس خوفًا.. بل وجعًا.
وجع ابن ما زال يبحث عن أب داخله رغم كل شيء. ظل صامتًا.
فلا يوجد ما يقوله بعد الآن.
دفعه عاصم بعيدًا بعنف ثم قال:
-بس العيب مش عليك، العيب على اللي معرفتش تربيك، أنا هعرف شغلي معاها
انتفض معتصم فورًا. وأمسك ذراع والده برجاء حقيقي:
-بلاش أرجوك يا بابا، ماما ملهاش دعوه، لو عايز تضرب، أضربني أنا بلاش هي.
لكن عاصم نظر إلى يده باشمئزاز.
وأبعدها عنه بقوة. ثم غادر الفيلا سريعًا.
ظل معتصم واقفًا مكانه. عيناه معلقتان بباب الفيلا الذي خرج منه والده.
بينما كانت دموعه تلمع بصمت داخل عينيه.
أما في الأعلى…
فقد كانت مهرة تقف خلف الجدار. ورأت كل شيء. رأت الصفعة.
ورأت الانكسار الذي حاول إخفاءه.
ورأت ذلك الألم الذي يسكنه كلما ذكرت والدته.
شعرت بشيء يعصر قلبها بقوة.
لأول مرة تدرك أن خلف تلك الابتسامة الهادئة.. يوجد إنسان يتألم أكثر مما يظهر.
تنهدت بوجع وهي تتابعه يصعد إلى سيارته وينطلق بها بسرعة جنونية.
ثم ابتعدت عن المكان. وعادت إلى غرفة حنان.
لكن عقلها ظل معلقًا بذلك الشاب الذي بدا لها للحظة، وحيدًا للغاية.
****************************
مرت الأسابيع التالية بوتيرة هادئة ظاهريًا، لكنها كانت تحمل في طياتها الكثير من المشاعر المتشابكة.
فأمينة بدأت تستقر في عملها الجديد، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك من يعاملها بإنسانية واحترام.
أما حنان، فقد تبدل حالها كثيرًا منذ دخول أمينة ومهرة إلى حياتها.
كانت تنتظر حضورهما كل صباح بشوق واضح، وتغضب إن تأخرت إحداهما دقائق قليلة.
وجدت معهما ذلك الدفء العائلي الذي افتقدته طويلًا داخل هذا القصر البارد.
كانت تضحك مع أمينة. وتستمع إلى أحاديث مهرة العفوية.
وتشعر للمرة الأولى منذ سنوات أنها ليست وحيدة.
وفي المقابل، تعلقت مهرة بها هي الأخرى. فقد رأت فيها أمًا طيبة سلبتها الحياة حقها في السعادة.
بينما بقيت عليا غارقة في شكوكها.
تحاول جاهدًا تذكر المكان الذي رأت فيه مهرة من قبل.
كان وجه الفتاة مألوفًا لها بصورة مزعجة.
لكنها كلما اقتربت من تذكر الحقيقة هربت منها الذكرى من جديد.
في ذلك اليوم…
خرجت مهرة من غرفة حنان بعد أن ساعدتها على تناول دوائها.
كانت منشغلة بترتيب بعض الأشياء داخل عقلها.
لذلك لم تنتبه للشخص القادم في الاتجاه المقابل.
وفجأة، اصطدمت بجسد صلب بقوة.
ارتدت إلى الخلف عدة خطوات وهي تضع يدها فوق صدرها بفزع.
ثم رفعت رأسها بسرعة. لتجد معتصم أمامها.
اتسعت عيناها بتوتر وقالت على الفور:
-ا أنا آسفه، مأخدش بالي أن حضرتك واقف.
كان يبدو مرهقًا للغاية. عيناه غائرتان قليلًا. ووجهه يحمل آثار سهر واضح.
حتى هالته المعتادة من الهدوء بدت منهكة. حرك رأسه بوجه عابس وقال:
-محصلش حاجه، ماما صاحيه ولا نايمه ؟
نظرت إليه بشفقة دون أن تشعر. ثم قالت بهدوء:
-لا، لسه نايمه، وقالت لينا نصحيها لما حضرتك ترجع، تحب أدخل أصحيها ؟
هز رأسه بالنفي وقال:
-لا، خليها نايمة، وأنا هدخل أريح شويه في أوضي، ولما اصحى أبقى أدخلها.
ثم استدار متجهًا نحو غرفته.
لكن قبل أن يبتعد خطوتين سمع صوتها يناديه:
-أحضرك الأكل؟
توقف مكانه. ثم التفت إليها.
وبدا الضيق واضحًا فوق وجهه وهو يقول:
-لا، شكراً.
ثم أكمل طريقه. ودلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه.
وقفت مهرة تحدق في الباب المغلق.
وشعور غريب بالأسى يضغط فوق قلبها.
لم تكن غبية. لقد لاحظت خلال الأيام الماضية أنه بالكاد يأكل.
يخرج مبكرًا. ويعود متأخرًا.
ويتهرب من أسئلة والدته عن الطعام.
ويكتفي بالابتسام لها حتى لا تقلق.
لكن جسده بدأ يفضحه. وإرهاقه أصبح ظاهرًا للجميع.
تنهدت بحزن. ثم هبطت إلى الأسفل.
واتجهت نحو المطبخ. وبدأت تعد عدة شطائر خفيفة بنفسها. وأحضرت كوبًا من العصير.
وضعت كل شيء في صينية صغيرة.
ثم صعدت بها إلى الأعلى.
وقفت أمام باب غرفته للحظات مترددة.
ثم طرقت الباب بخفة. وجاءها صوته من الداخل:
-أدخل!
فتحت الباب ببطء. ودلفت إلى الداخل.
كان مستلقيًا فوق السرير مغمض العينين. لكنه اعتدل بسرعة فور رؤيتها وقال باستغراب:
-مهرة! خير فيه حاجة !؟
تقدمت بخطوات مترددة.
ثم وضعت الصينية أمامه وقالت:
-ا أنا حضرت ليك كام سندوتش، وحطيت لحضرتك كوباية عصير، علشان تاكلهم قبل ما تنام،
نظر إلى الطعام بدهشة. ثم رفع عينيه إليها وقال:
-بس أنا قولتلك مش عايز أكل!
هزت رأسها قائلة:
-عارفه، بس حضرتك اليومين دول مش بتاكل خالص، وبتضحك على مدام حنان على طول، وتقلها أنك لسه أكل علشان تهرب منها، وهي الصراحه حاسه أنك بتكدب عليها، وزعلانه عليك علشان واضح على جسمك قلة الأكل، علشان كده، أنا قلت أعملك كام سندوتش خفيف تاكلهم قبل ما تنام.
ساد الصمت للحظات. ظل خلالها ينظر إليها نظرة طويلة أربكتها بشدة. ثم قال فجأة:
-طيب وأنتي ليه بتعملي معايا كده؟
تجمدت في مكانها. ولم تعرف بماذا تجيب. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بتلعثم:
-ها! ع علشان حضرتك طيب، وساعدنا لما أتطردنا من الشغل، وكمان علشان معاملتك الطيبه معانا.
ظل يتأملها لثوانٍ. ثم نهض من فوق السرير. وتقدم نحوها بخطوات هادئة.
حتى أصبح يقف أمامها مباشرة. وقال وهو يحدق بعينيها:
-ولا علشان ماما هي اللي طلبت منك كده؟
هزت رأسها بسرعة وقالت:
-لا والله، مدام حنان مطلبتش مني حاجة زي كده، لأن ماما مكانتش هتسمح بحاجة زي كده أصلاً، أنا عملت كده من نفسي.
ظهرت ابتسامة باهتة فوق شفتيه.
لكنها لم تكن ابتسامة سعادة. بل ابتسامة رجل فقد ثقته بكل شيء تقريبًا. وقال بمرارة:
-للآسف مش مصدقك، علشان أنتي بارعه في الكدب، عمومًا شكراً على الأكل، تفضلي يلا أخرجي من الأوضه، وخدي الباب في إيدك.
صفعتها الكلمات بقوة. اتسعت عيناها بصدمة. وشعرت بإهانة حقيقية لم تتوقعها. هي لم تفعل شيئًا سوى أنها اهتمت به. فلماذا يعاملها بهذه القسوة؟
ارتجف صوتها وهي تقول:
-أنا مش بكدب يا أستاذ معتصم، ولو على اللي حصل قبل كده؟ فأنا قلتلك أسبابي اللي خلتني أكدب على ماما، وأقلها كده، عموماً شكراً على كلام حضرتك، وبعد كده مش هتصرف من دماغى تاني عن اذنك.
ثم استدارت بسرعة. وخرجت من الغرفة قبل أن يرى الدموع التي بدأت تتجمع داخل عينيها.
أغلقت الباب خلفها. وأسندت ظهرها إليه.
وفي اللحظة التالية انهمرت دموعها رغماً عنها. كانت تشعر بالاختناق. ففي شيئًا انكسر داخلها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، ظهرت أمينة في نهاية الممر.
وحين رأت دموع ابنتها أسرعت نحوها بقلق. وقالت:
-مهرة مالك؟ بتعيطي ليه؟!
مسحت مهرة دموعها بسرعة. وحاولت التظاهر بالتماسك. ثم قالت بتوتر:
-م مافيش يا ماما، دي حاجه دخلت في عيني، وأنا هعيط ليه بس؟
ضيقت أمينة عينيها. فهي تعرف ابنتها جيدًا. لكنها لم تضغط عليها. واكتفت بالقول:
-بقى كده؟ ماشي يا بنت بطني؟ أمشي يلا، هنروح مدام حنان نامت وقالتلي نمشي.
أومأت مهرة بصمت. ثم سارت بجوار والدتها. هبطتا إلى الطابق السفلي.
وكانتا على وشك مغادرة الفيلا.
لكن فجأة، جاءهما صوت حاد من الخلف.
-أنتي، أستني عندك!
توقفتا معًا. والتفتتا نحو مصدر الصوت.
لتجدا عليا تتجه نحوهما بخطوات سريعة. شعرت مهرة بانقباض معدتها فور رؤيتها. وقالت بتوتر:
-ن ن نعم.
اقتربت عليا منها. ثم حدقت في وجهها طويلًا. وفجأة اتسعت عيناها وكأنها تذكرت شيئًا أخيرًا. وقالت بغضب:
-مش أنتي البنت اللى بوظت الفستان بتاعي في الحفلة؟
شحب وجه مهرة. والتفتت نحو والدتها للحظة. ثم عادت تنظر إليها.
وأومأت برأسها ببطء.
في الثانية التالية، أمسكتها عليا من ذراعها بعنف. وصرخت في وجهها:
-كنت متأكده أني شفتك قبل كده، وجايه تشتغلي عندي ليه؟ أكيد عايزه تعملي فيا حاجة؟
اشتعل الغضب داخل مهرة فورًا.
فهي تحملت إهانات كثيرة منها سابقًا.
لكن اتهامها بهذا الشكل كان أكثر مما تستطيع احتماله. نزعت ذراعها من قبضتها بقوة. ثم قالت بصوت مختنق بالغضب:
-وأنا هعمل فيكي حاجة ليه؟ عادي طول عمرنا متعودين على الأشكال اللى زيك دي، واحده متسواش مليم وسط الحريم، تيجي تعمل علينا هانم، علشان كده أنتي مش في دماغي أصلاً، أحنا جينا أشتغلنا هنا بعد ما اتطردنا بسببك من شغلنا.
تجمدت عليا للحظة من جرأة الفتاة.
ثم اشتعل وجهها غضبًا. وتطاير الشرر من عينيها. ورفعت يدها عاليًا وهي تصرخ:
-أنتي أتجننتي يا بت!
واندفعت يدها نحو وجه مهرة بقوة.. وكادت الصفعة تهبط فوق وجنتها…
*************************
“الفصل الرابع”
كانت يد عليا تهبط بسرعة نحو وجه مهرة، وعيناها تقدحان شررًا من شدة الغضب، بينما تجمدت أمينة في مكانها للحظة غير مستوعبة لما يحدث.
لكن قبل أن تصل الصفعة إلى وجهها، امتدت يد قوية وأمسكت معصم عليا بقوة. التفت الجميع نحو صاحب اليد. كان معتصم. يقف أمام مهرة كحاجز يمنع عنها الأذى.
كانت ملامحه متجهمة بصورة لم تعهدها مهرة من قبل. وعيناه تمتلئان بغضب حقيقي. بينما كان يضغط على معصم عليا بقوة جعلتها تتأوه من الألم.
وتكلم من بين أسنانه بصوت يحمل نفاد صبر واضحًا:
-مش هسمحلك تعملي كده، دول شغالين عندي أنا، وأنا اللي جيبهم، ومش من حقك تقربي منهم.
حاولت عليا تخليص يدها من قبضته بعنف. لكن قبضته ازدادت قوة. فصرخت بألم وغضب:
-سيب أيدي يا حيوان، أنا هعرفك أزاي تمسك أيدي كده، مبقاش أنا عليا لو مكنتش دفعتك التمن غالي يا معتصم، وأنتي هوريكي، هعرفك أزاي تردي عليا، يا زباله يا حقيره.
اشتعل الغضب أكثر داخل صدره. لكنه أجبر نفسه على التماسك.
ثم ترك يدها فجأة وهو يقول بحدة:
-اللي عندك أعملي! بس لو فكرتي تقربي منهم ولا من أمي، متلميش إلا نفسك، فاهمه؟
تراجعت عليا خطوة إلى الخلف وهي تدلك معصمها المتألم.
ونظرت إليهم جميعًا بنظرات مشبعة بالحقد والكراهية.
كانت تشعر بإهانة لم تتعرض لها منذ سنوات.
وقف معتصم في وجهها دون خوف.
وهو ما لم تستطع احتماله.
رفعت رأسها بتكبر وقالت بصوت مليء بالوعيد:
-هوريكم كلكم، بكره تيجوا تركعوا تحت رجلي، علشان أسامحكم يا رعاع،
ثم استدارت بعنف. وغادرت المكان بخطوات سريعة.
وبقي التوتر معلقًا في الهواء حتى بعد رحيلها.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة. كانت مهرة لا تزال متأثرة بما حدث.
ولم تستطع منع نفسها من النظر إلى معتصم بأسف.
فهي تعلم أن خلافاته مع عليا تتفاقم يومًا بعد يوم.
وهي لا تريد أن تكون سببًا إضافيًا في مشاكله. لذلك قالت بصوت خافت:
-ا أنا آسفه على اللي حصل، مكنتش أقصد أحطك في وضع زي ده.
نظر إليها للحظات. ثم زفر بضيق وقال:
-محصلش حاجة، أتفضلوا أمشوا دلوقتي، وتعالوا الصبح عادي، ومتشغلوش بالكم بيها، أنا هتصدرها لو فكرت تقربلكم.
كانت نبرته جادة. لكن خلفها كان يوجد إرهاق واضح.
إرهاق رجل يخوض حربًا يومية داخل بيته. حربًا لا تنتهي.
في تلك اللحظة…
كانت أمينة تنظر إليه بطريقة مختلفة تمامًا. خلال الأسابيع الماضية كانت تراقبه بصمت. تراقب معاملته لوالدته.
واحترامه للجميع. وطريقته في الوقوف بجانبهم. لكنها لم تكن تعرف الحقيقة كاملة.
أما الآن.. فقد بدأت الصورة تتضح أمامها. لذلك نظرت إليه مطولًا ثم قالت:
-أنت الشاب اللي أديت بنتي الكارت بتاعك في الحفلة؟
التفتت مهرة نحو والدتها بفزع.
أما معتصم فنظر أولًا إلى مهرة.
ثم عاد ببصره إلى أمينة. وقال بهدوء:
-أيوه أنا، بس مش علشان زي ما أنتي مفكره، أنا فعلاً هناك أديتها الكارت بتاعي، علشان كانت عماله تعيط وعرفت أن اللي عملت فيها كده مرات أبويا، وعلشان عارف هي ظالمه قد أيه، قلت أساعدها وأعوضكم عن الشغل ده، وأنا كمان كنت محتاج أتنين زيكم، علشان ماما ضروري، زي ما تقولي كده ربنا حطنا قصاد بعض علشان كل واحد فينا محتاج لتاني.
استمعت إليه أمينة بصمت.
وكل كلمة كان يقولها تزيد من شعورها بالخجل من أحكامها المسبقة.
لقد ظنته شخصًا سيئ النية.
لكن الأيام أثبتت لها عكس ذلك تمامًا.
تنهدت بهدوء ثم قالت:
-شهاده لله يا أبني، من يوم ما دخلنا هنا مشوفناش منكم غير كل خير، وأنت ماشاءالله عليك، شاب محترم غير ما كنت مفكره، بس أنا ليا حساب مع بنتي على كدبها عليا.
ثم التفتت فجأة نحو مهرة. وأشارت إليها برأسها قائلة:
-تفضلي قدامي يا هانم.
اتسعت عينا مهرة بفزع. وشعرت أن نهايتها قد اقتربت. ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم التفتت نحو معتصم تلقائيًا.
كانت تستنجد به. فكاد يبتسم رغم الموقف. لأن نظرتها بدت أشبه بطفلة تنتظر النجدة قبل تنفيذ الحكم عليها.
تحركت مهرة ببطء نحو الباب.
بينما كانت أمينة تستعد للحاق بها.
لكن معتصم أسرع خلفها بخطوة وقال بصوت منخفض:
-أرجوكي براحه عليها، هي عملت كده علشان كانت خايفة تقولك، وكانت خايفة عليكي.
توقفت أمينة. ونظرت إليه.
ورغم محاولتها الحفاظ على صرامتها، إلا أن شيئًا من الدفء تسلل إلى عينيها.
فمن الواضح أنه يحاول حمايتها حتى الآن. لكنها قالت بجدية:
-متشغلش بالك باللي هيحصل يا أستاذ معتصم، أنا عارفة بربي بنتي أزاي.
ثم أمسكت ذراع مهرة. وتحركت بها نحو الخارج.
كانت مهرة تسير بجوار والدتها كالمحكوم عليه بالإعدام.
تراقب ملامحها بحذر شديد.
لكن أمينة لم تنطق بكلمة واحدة طوال الطريق. وذلك كان أسوأ بكثير من الصراخ.
لأن صمت أمينة دائمًا يسبق العاصفة.
خرجتا من الفيلا. أوقفت أمينة سيارة أجرة. ثم دفعت مهره إلى الداخل وجلست بجوارها. انطلقت السيارة في الطريق.
***************************
باليوم التالي…
وصلت مهرة برفقة والدتها إلى الفيلا، تسيران بخطوات بطيئة عبر البوابة الضخمة. كانت تحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، لكن آثار الليلة الماضية كانت تفضحها أمام الجميع. كدمات زرقاء وبنفسجية أحاطت بعينيها، وأخرى بالقرب من فمها، بالإضافة إلى آثار بسيطة امتدت فوق ذراعها النحيل، وكأن جسدها كله يصرخ بما عجزت هي عن قوله.
كانت تشعر بثقل يجثم فوق صدرها، ليس بسبب الألم الجسدي فحسب، بل بسبب الإهانة التي ما زالت تحرق قلبها حتى الآن.
تحركت هي ووالدتها نحو الدرج المؤدي للطابق العلوي، لكنهما توقفتا فجأة عندما شق صوت غاضب أرجاء المكان.
استدارتا سريعًا.
كان عاصم يقف هناك، وهيبته المعتادة تحيط به، لكن الغضب الذي ارتسم فوق ملامحه جعله يبدو أكثر قسوة من أي وقت مضى.
اقترب منهما بخطوات حادة، ثم نظر إليهما بازدراء واضح وقال بغضب:
-أنتوا أزاي تفكروا تغلطوا في عليا هانم؟ أنتوا أتجننتوا! أنتوا متعرفوش تبقى مرات مين ولا ممكن أعمل فيكم أيه؟
ارتبكت أمينة فورًا، وأسرعت تتحدث محاولة امتصاص غضبه:
-أحنا أسفين يا عاصم باشا، دي عيله طايشه، وأنا جبتلكم حقكم منها، حتى شوف كده، وشها كله أزرق من كتر الضرب فيها، أنا عارفة أنها غلطانه، وردت على الست هانم رد مينفعش يتقال، بس أديها أستحقت اللي حصلها، أرجوك سامحها وخلي ست عليا تسامحها.
رفع عاصم نظره إلى مهرة.
ظل يتأمل وجهها المكدوم للحظات طويلة دون أن يظهر عليه أي تعاطف، ثم قال بصوت غليظ بث الرهبة في أوصالها:
-أنا هسامحها المرادى بس علشان خاطرك، وأنك مرضكيش اللي عملته، بس أقسم بالله، لو كررت الغلط ده تاني ورفعت عينيها في ستها عليا، أنا مش هيكفينى موتها فاهمه.
انقبض قلب مهرة بقوة.
أما أمينة فأومأت سريعًا وهي تخفض رأسها:
-ف فاهمة.
هدر بهما بغضب:
-أتفضلوا غوروا من وشي.
اشتعلت عينا مهرة بكرهٍ دفين وهي تنظر إليه، لكنها ابتلعت كلماتها بصعوبة، ثم استدارت وصعدت الدرج مسرعة، بينما لحقت بها والدتها.
دلفتا إلى غرفة حنان.
وما إن وقعت عينا الأخيرة على مهرة حتى شهقت بفزع ونهضت من مكانها قائلة:
-أيه ده يا أمينة؟ مين اللى عمل في مهرة كده؟
ردت أمينة ببرود أزعج الجميع:
-أنا يا مدام حنان، علشان بعد كده متفكرش تكدب عليا تانى.
اتسعت عينا حنان بصدمة، ثم قالت بحزن وعتاب:
-أخس عليكي يا أمينة، حرام اللي عملتيه في البنت ده، هي عملت كده علشان كانت خايفه عليكي.
رمقت أمينة ابنتها بنظرة صارمة وقالت:
-أنا أكتر حاجة أكرهه الكدب، وهي عارفه كده، أنا ممكن أسامح على أي حاجة، إلا أنها تكدب عليا.
أما معتصم فكان يقف في صمت تام.
كان يتابع الكدمات المنتشرة على وجه مهرة، وكلما وقع بصره عليها شعر بشيء يعتصر صدره بعنف.
لم يكن قادرًا على استيعاب أن تلك الفتاة المفعمة بالحياة والثرثرة قبل أيام قليلة، أصبحت تقف الآن بهذا الانكسار.
تكلمت مهرة أخيرًا بصوت خافت متحطم:
-عن أذنكم، هروح أشوف شغلي.
وغادرت الغرفة سريعًا قبل أن تخونها دموعها أمامهم.
تابعتها حنان بعينيها بحزن وقالت بضيق:
-أنتي شكلك أتجننتي يا أمينة، فيه واحده تعمل كده في بنتها؟ البنت يا عينى مدمرة، ده غير نفسيتها.
أجابت أمينة بلا اهتمام:
-أنا بعمل كده علشان مصلحتها، مش عايزاها تكون واحده كدابه يا مدام حنان، هي آه أول كدبه ليها، بس ما دام عملتها مره ولاقتني سكت، هتعملها مليون مره.
زفر معتصم بضيق، ثم نهض قائلًا بصوت مختنق:
-هروح أنا بقى الشركه، مش عايزين حاجة؟
ابتسمت حنان بحنان أمومي وقالت:
-لا يا حبيبي، ربنا يكفيك شر طريقك.
غادر الغرفة. لكن خطواته توقفت فجأة.
كان هناك صوت بكاء خافت يتردد من خلف أحد الجدران القريبة. تجمد للحظة. ثم تحرك باتجاه الصوت.
وعندما وصل، وجد مهرة جالسة على الأرض في زاوية بعيدة، تضم ساقيها إلى صدرها بينما تهتز كتفاها من شدة البكاء. توقف مكانه.
شعر بشيء مؤلم ينغرس داخل قلبه.
اقترب منها ببطء، ثم انحنى بجسده أمامها وحرك يده على وجهها برفق وقال:
-أهدي يا مهرة، تعالي معايا.
رفعت إليه عينيها الممتلئتين بالدموع، ثم هزت رأسها بالرفض.
لكن معتصم أمسك يدها برفق وأجبرها على الوقوف. اصطحبها إلى غرفته.
أغلق الباب خلفهما، ثم أجلسها على الأريكة وقال بهدوء:
-أهدي يا مهرة، مامتك عندها حق، أنا من الأول مكنتش موافق على موضوع الكدب ده، وكنت مضايق أوي أني مشاركك في حاجة زي كده، الصراحه أحسن بكتير لو كنتي قلتى ليها الحقيقه مكانش حصل كل ده.
أجهشت بالبكاء من جديد وقالت بين شهقاتها:
-لو كنت قلت الحقيقة مكانتش هتوافق أننا نيجي نشتغل هنا، كانت هتخاف عليا منك، أنا فاهمة دماغ ماما ماشيه أزاي، كنت ناويه أقولها الحقيقه، بس بعد ما تتأقلم على الشغل الجديد هنا.
مد يده يمسح دموعها بأطراف أصابعه، ثم قال بهدوء:
-طيب خلاص اللي حصل خلاص حصل، وده درس يعلمك بعد كده متفكريش تكدبي عليها، ولا على أي حد تاني.
حركت رأسها بالنفي سريعًا:
-أنا معملتهاش قبل كده، دي كانت أول وآخر مره.
ابتسم لها ابتسامة خافتة.
ثم نهض متجهًا إلى المبرد الصغير الموجود بالغرفة.
أخرج قطعة ثلج وعاد إليها مرة أخرى.
-لازم تحطي تلج على الكدمات دي، علشان كده غلط.
جلس إلى جوارها وهو يمرر قطعة الثلج برفق فوق آثار الكدمات المنتشرة على وجهها، بينما كانت هي تجلس في صمت مرتبك، عاجزة عن رفع عينيها إليه.
لم يكن يدري متى تحول شعوره بالشفقة عليها إلى ذلك الاضطراب الذي يجتاحه الآن، ولا كيف أصبح قربها يربك أفكاره بهذا الشكل.
رفع بصره إليها، فوجدها تنظر إليه بعينين دامعتين، تحملان مزيجًا غريبًا من الضعف والثقة، فشعر بشيء يهتز في أعماقه بعنف.
تحركت أنامله تلقائيًا تمسح أثر دمعة عالقة على وجنتها، ثم توقفت فوق شفتيها المتورمتين من أثر الضرب.
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بأن عقله يفقد قدرته على التفكير للحظات قصيرة.
اقترب منها دون وعي كامل بما يفعل، وكاد أن يطبع قبلة على شفتيها، قبل أن تنتبه مهرة فجأة إلى الموقف.
اتسعت عيناها بصدمة، وانتفضت واقفة مبتعدة عنه بسرعة، وكأنها أفاقت من غفلة قصيرة.
تراجعت عدة خطوات للخلف وهي تتلعثم:
-ا أنا بقيت كويسه خلاص، ه ه هروح أشوف اللي ورايا
ثم اندفعت خارج الغرفة راكضة.
أغلقت الباب خلفها بسرعة كانت تهرب من شيء لا تفهمه.
أما معتصم فظل واقفًا مكانه لثوانٍ طويلة.
ينظر إلى الباب المغلق في صمت.
ثم مرر يده فوق وجهه بعنف. وأغمض عينيه. شعر بالضيق من نفسه.
كيف سمح لنفسه أن ينجرف بهذا الشكل؟
وكيف كاد يرتكب تصرفًا قد يندم عليه لاحقًا؟
أطلق زفرة طويلة مثقلة باللوم والندم.
ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا استعادة هدوئه.
وبعد دقائق قليلة نهض من مكانه.
خرج من الغرفة. هبط إلى الأسفل.
استقل سيارته
. وأدار المحرك قبل أن ينطلق بها نحو الشركة، بينما ظل عقله عالقًا عند تلك اللحظة التي لم يستطع نسيانها مهما حاول.
****************************
“الفصل الخامس”
مرت عدة أيام منذ تلك الحادثة، لكن شيئًا ما تبدل بينهما.
لم تعد مهرة تتصرف بعفويتها المعتادة كلما رأت معتصم. منذ ذلك اليوم وهي تتجنب وجوده قدر الإمكان.
في كل مرة تلمحه قادمًا من نهاية الممر، كانت تلتفت سريعًا إلى الاتجاه الآخر. وإن جمعهما مكان واحد، تختلق أي عذر وتهرب قبل أن يتمكن من الحديث معها.
كانت تحاول إقناع نفسها بأنها تجاوزت ما حدث، لكن الحقيقة أنها لم تستطع نسيانه ولو للحظة واحدة.
فكلما تذكرت اقترابه منها يومها، عادت تلك الرجفة الغريبة لتسري في جسدها، وعاد معها الخوف والارتباك والتساؤلات التي لا تجد لها إجابة.
أما معتصم، فقد لاحظ الأمر منذ اليوم الأول.. لاحظ كيف تهرب منه. وكيف تتعمد عدم النظر إليه.
وكيف تختفي فجأة كلما اقترب منها.
وكان ذلك يضايقه أكثر مما توقع.
فهو نفسه لم يكن فخورًا بما حدث، لكنه لم يكن يحتمل فكرة أنها أصبحت تخشاه أو تنفر منه.
في تلك الأثناء، كانت مهرة تساعد حنان كعادتها حين صدح صوت الأخيرة تناديها.
رفعت مهرة رأسها فورًا واتجهت إليها مسرعة.
ما إن دخلت الغرفة حتى ارتسمت ابتسامة لطيفة فوق شفتيها وقالت:
-نعم يا مدام حنان؟
رفعت حنان رأسها ونظرت حولها ثم سألتها باهتمام:
-مامتك فين يا حبيبتي؟
أجابتها مهرة بهدوء:
-ماما تعبانة شويه النهارده، ومقدرتش تيجي، أديتها علاجها ونامت، وعلى بكره إن شاءالله تبقى كويسه.
ارتسم القلق فوق وجه حنان وقالت بحزن:
-ألف سلامه عليها يا حبيبتي.
ابتسمت مهرة ابتسامة صغيرة وقالت:
-الله يسلمك يا مدام حنان، تأمريني بحاجة؟
حركت حنان رأسها بالنفي قائلة:
-لا يا حبيبتي، أنا كنت بسأل عليها بس، روحي شوفي اللي وراكي.
أومأت مهرة برأسها وغادرت الغرفة.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم بدأت تسير في الممر الطويل.
لكن ما إن مرت أمام غرفة معتصم حتى حدث ما لم تتوقعه.
شعرت فجأة بيد قوية تمسك معصمها وتسحبها إلى الداخل.
شهقت بفزع.. وفي اللحظة التالية كانت داخل الغرفة، بينما أُغلق الباب خلفها.
اتسعت عيناها بصدمة، والتفتت نحوه سريعًا وهي تشعر بأن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها.
-حضرتك عايز أيه مني؟ مينفعش كده حد يشوفني عندك هيقولوا عليا أيه؟
أسند ظهرها إلى الباب، وكانت ملامحه متجهمة بصورة لم تعهدها منه من قبل.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بضيق:
-أنتي بتتهربي مني ليه من ساعة ما كنتي عندي في الأوضه المره اللي فاتت؟ خوفتي مني صح؟
شعرت مهرة بأن أنفاسها تعلقت داخل صدرها.
لقد كان هذا السؤال بالذات هو ما تحاول الهروب منه طوال الأيام الماضية. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم حركت رأسها سريعًا وقالت:
-لـ.. لا طبعًا، وأنا هخاف من حضرتك ليه؟
لكن ارتجاف صوتها كان يفضحها أكثر مما ينفي عنها التهمة.
تنهد معتصم بضيق وابتعد خطوة عنها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
-أنا مكنتش أقصد اللي حصل يومها ده؟ أنا معرفش عملت كده أزاي؟ بس مش عايزك تزعلي ولا تخافي مني، دي كانت أول مره أعمل كده، ومعرفش ليه أنتي بالذات.
خفضت مهرة بصرها إلى الأرض فورًا.
شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها رغماً عنها. كانت تسمع دقات قلبها بوضوح داخل أذنيها. وقالت بخجل واضح:
-ح حصل خير، و وأنا نسيت اللي حصل ده، في ساعتها خلاص.
رفع حاجبه ساخرًا قليلًا. فهو يعرف جيدًا أنها تكذب.
ويعرف أن تصرفاتها خلال الأيام الماضية أكبر دليل على ذلك.
لذلك هز رأسه بالنفي وقال:
-لا، منستيش، بدليل أنك على طول بتتهربي مني، وحتى دلوقتي، مش بتتعاملي بطبيعتك معايا.
شعرت مهرة بالاختناق. لم تكن تعرف كيف تشرح له ما تشعر به.
هي لا تكرهه. ولا تريد الابتعاد عنه.
لكنها أيضًا لم تعد قادرة على التعامل معه بنفس البساطة القديمة بعد ما حدث.
رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بتوتر:
-لـ.. لا والله، ب بس وجودي معاك هنا في الأوضه، هو اللي موترني، ممكن أي حد يشوفنا، ويفتكر أي حاجة غلط، ممكن تسيبني أخرج بعد أذنك؟
ساد الصمت بينهما للحظات.
ظل معتصم يحدق بها طويلًا.
كان يرى التوتر في عينيها.
ويرى خوفها من كلام الناس.
وربما خوفها منه هو شخصيًا.
شعر بانقباض مزعج داخل صدره.
فآخر شيء كان يريده هو أن تصبح مهرة غير مرتاحة بسببه.
أغلق عينيه للحظة قصيرة محاولًا السيطرة على ضيقه.
ثم أومأ برأسه أخيرًا وأشار بيده نحو الباب. لم ينطق بكلمة واحدة.
لكن نظراته كانت كافية لتخبرها أنه استسلم. لم تنتظر أكثر من ذلك.
تحركت بسرعة نحو الباب وكأنها تخشى أن يغير رأيه.
فتحت الباب وخرجت إلى الممر. ثم أغلقته خلفها.
وفي اللحظة التي ابتعدت فيها عن الغرفة أطلقت زفرة طويلة كانت تحتجزها داخل صدرها منذ دخولها.
وضعت يدها فوق قلبها الذي كان ما يزال يخفق بعنف. وأغمضت عينيها للحظة.
تحاول إقناع نفسها أن كل شيء بخير، بينما كانت تعلم في أعماقها أن الأمور بينهما لم تعد كما كانت أبدًا.
**************************
باليوم التالي…
هبط معتصم درجات السلم بخطوات سريعة، وعقله ما زال مثقلًا بأحداث الأيام الماضية، متجهًا نحو باب الفيلا وهو لا يفكر إلا في الهروب إلى عمله قبل أن تبدأ معركة جديدة داخل هذا المنزل. لكنه لم يكد يقترب من الباب حتى استوقفه صوت والده الحاد:
-أستنى هنا!
توقف مكانه على مضض، واستدار إليه بنظرة ضيقة قبل أن يقول:
-نعم!
اقترب منه عاصم بخطوات ثابتة وقال بنبرة لا تحتمل النقاش:
-اعمل حسابك متتأخرش النهارده في الشركه، علشان فيه ضيوف جاين علشانك.
انعقد حاجباه باستغراب واضح، وانتقل ببصره بين والده وعليا قبل أن يسأل:
-ضيوف مين دول؟
رفعت عليا رأسها من فوق طاولة الطعام، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة بدت له مستفزة أكثر من أي شيء آخر، ثم قالت:
-أختي وبنتها، أنا عزمتهم النهارده علشان تقعدوا مع بعض، وتتعرفوا على بعض أكتر.
شعر بانقباض يجتاح صدره فورًا، فالتفت نحو والده وقال بضيق:
-وأنا أقعد معاها ليه؟ وأنا مالي بيها؟
نهضت عليا من مكانها واقتربت منه، ثم قالت:
-ما قولتلك، علشان تتعرفوا على بعض، أصل أنا قررت أخطبها ليك.
أغمض عينيه لثوانٍ محاولًا السيطرة على أعصابه، بينما اشتد توتر فكه من شدة الضغط على أسنانه، ثم قال:
-ومين قالك أن أنا بفكر في الجواز دلوقتي؟ أنا مش مستعد للخطوة دي.
تغيرت ملامحها إلى حزن مصطنع وهي تقول:
-بقى كده يا معتصم؟ وأنا اللي عايزة مصلحتك وبفكر في مستقبلك، بدل شغل الخدامين اللي ماشي وراه ده. خلاص يا أبني براحتك.
لم تكد تنهي كلماتها حتى تدخل عاصم بعنف:
-أنت أزاي تتجرئ وتتكلم مع مرات أبوك قصادي كده؟ أنت أتجننت! عليا عندها حق، أنت مبقتش صغير وده أنسب سن للجواز، عارف لو مجتش في الميعاد أيه هيحصل لأمك هنا؟ هتتعاقب مكانك، لو خايف عليها متتأخرش.
ساد الصمت للحظة. لم يعد الأمر متعلقًا به أو برفضه للجواز، بل كعادته دائمًا، وجد والده يمسك بورقته الرابحة الوحيدة. والدته.
الإنسانة الوحيدة التي ما زالت تمنحه سببًا للصبر.
راقب عاصم وهو يغادر المكان وكأن شيئًا لم يحدث، بينما بقي واقفًا مكانه، ويداه مشدودتان إلى جانبيه بقوة حتى برزت عروق كفيه. رفع عينيه نحو عليا.
كانت تنظر إليه بانتصار.
ابتسامة صغيرة استقرت على شفتيها، ابتسامة يعرفها جيدًا.. ابتسامة شخص يوقن أنه أمسك خصمه من نقطة ضعفه.
اقتربت منه ببطء حتى أصبحت على مسافة قريبة، ثم قالت بصوت منخفض لا يسمعه سواه:
-أنا مقلتش لأبوك على علاقتك بالبنت الخدامة، وعلى وجودها على طول في أوضك لوحدكم، بس أقسم بالله لو الجوازه دي متمتش، لأقول ليه كل حاجة، وأنت عارف هو ممكن يعمل أيه فى أمك؟ يا بتاع الخدمات.
شعر للحظة برغبة جارفة في أن يهزها بعنف حتى تتوقف عن الحديث.
لكن صورة والدته مرت أمام عينيه.
صورة وجهها المرهق. دموعها التي اعتاد أن يراها بصمت.
كل مرة كان يثور فيها، كانت هي من تدفع الثمن.
لذلك اكتفى بالنظر إليها نظرة طويلة ممتلئة بالاحتقار، دون أن ينطق بحرف واحد.
أما هي فتركته وعادت إلى مقعدها بكل هدوء، وكأنها لم تكن قد أطلقت للتو تهديدًا قادرًا على إشعال حياته بالكامل.
انغلقت أصابع معتصم حول بعضها بقوة مؤلمة.
كان يشعر بأنفاسه تثقل شيئًا فشيئًا داخل صدره. تحرك فجأة نحو الخارج قبل أن يفقد أعصابه أمامها.
فتح باب الفيلا بعنف، ثم اتجه إلى سيارته وصعد إليها بسرعة.
أغلق الباب خلفه بقوة، وظل للحظات طويلة جالسًا في مكانه يحدق أمامه دون أن يرى شيئًا. كان صدره يعلو ويهبط بعنف.
ثم فجأة أطلق صرخة مكتومة ملأها القهر.
ارتجفت أنفاسه، وانهمرت دموعه رغمًا عنه.
أسند جبهته فوق المقود وأغمض عينيه بقوة، كان يحاول الهروب من كل ما يحيط به. من ذلك العجز الذي يطارده كلما تعلق الأمر بوالدته.
ظل على حاله لبعض الوقت حتى هدأت أنفاسه تدريجيًا.
مسح وجهه بكفيه، ثم تراجع إلى الخلف داخل المقعد.
أدار محرك السيارة أخيرًا، وانطلق بها خارج الفيلا بسرعة كبيرة.
****************************
بالمساء…
حضرت شقيقة عليا وابنتها إلى الفيلا، وجلس فوق الأريكة يتبادلن الأحاديث والضحكات. مالت عليا بجسدها نحو ابنة شقيقتها، ثم تحدثت بصوت خافت حتى لا يسمعه أحد:
-أنتي عارفه طبعًا هتعملي أيه؟ أقنعيه بيكي بأي طريقة، ده هو الوريث الوحيد لعاصم، وهيكون على قلبه قد كده! والعز ده كله هيبقى ليكي.
ارتسمت على وجه الفتاة ابتسامة واثقة يغلفها الغرور، ثم رفعت رأسها بكبرياء وقالت:
-مش محتاجة أقنعه بيا يا خالتوا، هو هيقع فيا أول ما يشوفني، دي الشباب بتتمنى نظره واحده بس منى.
تعالت ضحكاتهن بخفة، بينما كانت مهرة تتحرك في صمت داخل الصالون، تؤدي عملها دون أن ترفع عينيها نحوهن.
تقدمت وهي تحمل صينية المشروبات بين يديها، ثم بدأت تضع الأكواب فوق الطاولة أمام الضيوف بهدوء واحترام.
لكن ما إن استدارت لتغادر حتى مدت ابنة شقيقة عليا قدمها عمدًا في طريقها.
في لحظة واحدة اختل توازن مهرة.
شهقت بخفوت قبل أن تسقط أرضًا بقوة، لتتناثر بعض قطرات العصير فوق الأرضية اللامعة.
ساد الصمت لثانية واحدة فقط، قبل أن تنفجر الضحكات من حولها.
رفعت رأسها ببطء، فوجدتهن ينظرن إليها وكأن ما حدث مشهد هزلى أمتعهن.
قالت عليا بتهكم لاذع وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها:
-أيه؟ مش قادره تمشي على رجلك من الزعل ولا أيه؟ معذوره يا عيني، كان عندها أمل أنها تنط فوق وتتجوز سيدها.
اشتعل وجه مهرة غضبًا، لكنها ابتلعت كلماتها بصعوبة وأجبرت نفسها على الصمت.
إلا أن عليا لم تكتفي بذلك، أمسكت كأس العصير الموضوع أمامها، ثم أفرغته بالكامل فوق رأس مهرة.
انساب السائل البارد فوق شعرها وملابسها، بينما تجمدت في مكانها من شدة الإهانة.
أغمضت عينيها بقوة، تحاول أن تسيطر على غضبها وألمها في آنٍ واحد.
كانت تشعر أن كرامتها تداس أمام الجميع، لكن صورة والدتها وكلمات عاصم التهديدية مرت أمام عينيها، فأجبرتها على التزام الصمت.
نهضت سريعًا من فوق الأرض، وقلبها يرتجف قهرًا.
رفعت عليا ذقنها بتعالي وقالت بأمر حاد:
-أمسحي العصير اللي على الأرض ده، أخلصي.
ارتعشت شفتا مهرة، وتجمعت الدموع داخل عينيها رغم محاولاتها المستميتة لمنعها من السقوط.
انحنت ببطء نحو الأرض، وأخذت تنظف ما سكب فوقها بصمت موجع، بينما كانت نظرات الشماتة تلاحقها من كل اتجاه.
وفجأة، شعرت بألم حاد يخترق يدها.
شهقت لا إراديًا عندما وجدت حذاء عليا فوق كفها مباشرة.
كانت تضغط بقوة متعمدة.
حاولت مهرة سحب يدها، لكن الأخرى زادت ضغطها أكثر.
انغرست حافة الحذاء في بشرتها بعنف، حتى شعرت أن عظام أصابعها تكاد تتحطم تحت ذلك الضغط القاسى.
تسارعت أنفاسها، وامتلأت عيناها بالدموع، لكنها أبت أن تصرخ أو تتوسل.
كل ما فعلته أنها عضت على شفتيها بقوة حتى لا يخرج منها صوت يكشف حجم الألم الذى تشعر به.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب الفيلا.
دخل معتصم بخطوات سريعة، لكنه تجمد مكانه ما إن وقعت عيناه على المشهد أمامه.
رأى مهرة جاثية على الأرض، ويدها محاصرة أسفل حذاء عليا، بينما الألم يرتسم بوضوح فوق ملامحها.
اشتعل الغضب داخله دفعة واحدة.
اندفع نحوها دون تردد، وأبعدها عن الأرض ثم ساعدها على الوقوف.
أمسك يدها بحذر، وما إن وقعت عيناه على الدماء المتدفقة منها حتى اسود وجهه غضبًا.
هدر بصوت أرعب من بالمكان:
-أنتوا أتجننتوا؟ أيه اللى عملته فيها ده؟ البنت أيديها بتنزف!
رفعت عليا رأسها نحوه ببرود وكأن شيئًا لم يحدث وقالت:
-مش المفروض تسلم على الضيوف الأول ولا أيه؟
التفت إليها ببطء، وعيناه تقدحان شررًا.
صك على أسنانه بقوة حتى برز فكه من شدة الغيظ، ثم اقترب منها خطوة وهو يقول بتحذير واضح:
-وحياة أمي لأدفعك تمن عمايلك دي غالي أوي، بس أصبري عليا، قريب أوي نهايتك يا عليا.
ساد الصمت للحظة.
ثم أمسك يد مهرة وتحرك بها نحو الدرج دون أن يلتفت لأحد.
صعد بها إلى الأعلى بخطوات متسارعة، ودلف إلى غرفته، ثم أغلق الباب خلفهما وأجلسها فوق الأريكة.
ظل يحدق بها للحظات طويلة قبل أن يقول بضيق:
-أنتي أزاي تسمحي ليهم يعملوا فيكي كده؟ مش متعود منك على كده! فين مهرة اللي كانت بتتكلم بقوة ومتخافش من حد؟
وما إن سمعت كلماته حتى انهارت دموعها.
كانت تحاول التماسك طوال الوقت، لكن ما تعرضت له كان أكبر من قدرتها على الاحتمال.
-خوفت من أبوك، أخر مره حذر ماما وهددها أني لو غلط في عليا دي تاني مش هيعديها بالساهل، وأحنا ناس غلابة مش قدكم، أنا ندمانه أني جبت ماما وجينا أشتغلنا هنا، ياريت ما قابلتك، ولا سمعت كلامك وجتلك الشركه.
وانفجرت فى البكاء.
أغمض معتصم عينيه بغضب وهو يشعر بالعجز ينهشه.
مد يده ببطء وأزال دموعها المنهمرة بأنامله، ثم نظر داخل عينيها وقال بصوت مختنق:
-أهدي يا مهرة علشان خاطري، أنا عارف أن اللي بتعمله عليا معاكي مش سهل، بس أصبري عليا، أنا قربت أخلص منها، وأكشف حقيقتها لبابا.
رفعت عينيها إليه وسط دموعها وقالت بقلق حقيقى:
-وحضرتك هتعمل كده ليه؟ أنت كده هتعرض نفسك للخطر.
ارتخت ملامحه قليلًا وظهرت فوق شفتيه ابتسامة هادئة رغم الحزن الذى يسكن عينيه.
-الأول كان علشان اللي عملته مع ماما زمان، ودلوقتي علشان اللي بتعمله معاكي يا مهرة، مش هستحمل تأذي كل اللي بحبهم.
توقفت أنفاسها للحظة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأبعدت يدها عنه ثم نظرت إلى الأرض بخجل وتوتر.
-ت تقصد أيه بكل اللي بتحبهم دي؟
ظل ينظر إليها طويلًا، لم يعد قادرًا على إخفاء ما بداخله أكثر من ذلك. ثم قال بابتسامة حنونة:
-يعني أنا بحبك يا مهرة.
اتسعت عيناها بصدمة.
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها.
انتفضت واقفة في محاولة للهروب من وقع كلماته، لكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى أمسكها.
أحاط خصرها بذراعيه ليمنعها من الابتعاد، ثم همس بصوت منخفض:
-رايحه فين يا مهرة؟
هربت بعينيها بعيدًا عنه وقالت بتوتر شديد:
-ه هروح أشوف شغلي قبل ما حد يشوفنى هنا.
مرر أنامله فوق وجنتها التى اشتعلت بحمرة الخجل، ثم سألها بهدوء:
-طيب مردتيش عليا في اللي قلته ليكي دلوقتي!
أغلقت عينيها بقهر، وتجمعت الدموع من جديد داخل مقلتيها.
-سيبني لو سمحت اللي أنت قلته ده مينفعش، أنا خدامة يا أستاذ معتصم، يعني فيه فرق ما بين السما والأرض، حضرتك فين، وأنا فين، وكلام حضرتك مش مقنع بصراحه، لو بتعمل كده ومفكر أن أنا علشان فقيره وخدامة عندكم هفرح بالكلمتين دول وأسلمك نفسي، تبقى بتحلم.
ابتعد عنها فورًا وكأن كلماتها أصابته فى مقتل.
نظر إليها بصدمة حقيقية وقال بصوت مبحوح:
-أنتي شيفانى كده يا مهرة؟!
تراجعت للخلف، بينما كانت دموعها تنساب فوق وجنتيها دون توقف.
-أنا مبقتش عارفه حاجه خالص، أنا حياتي كلها أتشقلب حالها من ساعة ما قابلتكم، لا فاهمه هي بتعمل معايا كده ليه؟ ولا قادره أحدد مشاعري تجاهكم أيه؟ أنا واحده كل طموحاتها في الدنيا، أنها تتخرج من دراستها، وتشتغل في شركه وتريح أمها من شغل البيوت ده، كفاية ذل وإهانه ليها علشان تربيني وتعلمني، أنا مش هفرح زي العبيطة بالكلمتين اللي أنت قلتهم ليا دول، لأن ده حلم مش من حقي وأنا متعودش أخد حاجة مش بتاعتي، عن أذنك يا أستاذ معتصم.
أنهت كلماتها واندفعت خارج الغرفة قبل أن تمنح نفسها فرصة للبقاء.
نظر إلى أثرها بحزن شديد، بينما كانت كلماتها الأخيرة ما تزال تتردد داخل رأسه كصدى مؤلم لا يريد أن يختفي. مرر يده فوق شعره بعصبية، ثم حركها إلى مؤخرة عنقه وضغط عليها بقوة محاولًا تهدئة ذلك الغضب والعجز اللذين ينهشان صدره. أطلق زفرة طويلة مثقلة بالضيق، ثم تحرك بخطوات سريعة إلى الأسفل.
وما إن وصل إلى الصالة حتى توقف مكانه.
كان والده يقف هناك، وعيناه تشتعلان غضبًا، والشرر يكاد يتطاير منهما.
لم يمهله عاصم فرصة للكلام.
اقترب منه بخطوات غاضبة، ثم رفع يده وصفعه بقوة جعلت رأسه تنحرف إلى الجانب بعنف، وشعر بطعم الدم يملأ فمه فورًا بعدما تشققت شفته.
أغلق معتصم عينيه لثوانٍ، وارتجف فكه من شدة الغضب، لكنه أجبر نفسه على الصمت.
هدر به بغضب شديد وقال:
-أنت أيه اللي عملته مع ضيوف عليا ده؟ أنا مش الصبح حذرتك؟ أيه كبرت خلاص وكلامي مبقاش يتسمع؟ ماشي يا معتصم الواضح كده أن اللى بعمله في أمك مبقاش يأثر فيك، نغير بقى يمكن ده اللي يجيب نتيجه!
وصاح بغضب وقال:
-مهرة يا مهرة
انتفضت مهرة فور سماع اسمها، وتركت ما كانت تفعله وهرولت بخوف شديد نحو مصدر الصوت.
وما إن وصلت حتى وقعت عيناها على الدماء العالقة عند فم معتصم، فانقبض قلبها بقوة وشعرت بالخوف يزحف إلى أوصالها. تكلمت بصعوبة وقالت:
-ا أومرني حضرتك؟
اقترب إليها عاصم بغضب، ثم أمسك شعرها بقوة جعلتها تتأوه من الألم، وأجبرها على رفع رأسها إليه، قبل أن ينظر إلى معتصم ويتكلم بنبرة غاضبة:
-أنتي أزاي تتجرئ وتتكلمى مع ستك عليا بأسلوب مش كويس؟ وتحرجيها قصاد الناس؟
انهمرت الدموع من عينيها فورًا، وحركت رأسها بالرفض رغم الألم الذى يمزق فروة رأسها وقالت:
-محصلش، والله العظيم ما حصل.
لكن كلماتها لم تشفع لها. إذ هوت يده على وجهها بصفعة قوية جعلت جسدها يترنح للحظة. وقال بغضب:
-كمان هتكدبي! يعني ستك عليا بتتبلى عليكي؟ أنتوا وجودكم من الأول هنا غلط، والغلط مش عليكم الغلط على اللي دخلكم هنا.
ثم نظر إلى معتصم.
في تلك اللحظة كان معتصم يقف كمن يحارب نفسه. قبضته انغلقت حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
أنفاسه أصبحت متلاحقة وعنيفة.
وعروقه برزت بوضوح من شدة الغضب.
حاول أن يتحكم بأعصابه. حاول أن يصمت.
لكن رؤية مهرة تهان أمامه بتلك الطريقة حطمت آخر ذرة صبر لديه.
حدق بوالده بنفاذ صبر وهدر به بغضب وقال:
-كفاية بقى، أنت أيه؟ لدرجاتي مغمي عيونك وماشي وراه كلام واحده زى دي؟ من ساعة ما دخلت حياتنا، وأنت لا قادر تسمع ولا تشوف غيرها، كل ما تبخ سمها في ودنك، تيجي تطلعه علينا، وصلتك تمد أيدك على أمي كل يوم والتانى، كرهتك فيا، كل ده علشان الفلوس، هي عمرها ما حبيتك ولا هتحبك، كل همها ازاى تبعد كل اللي حواليك عنك، علشان تكوش هى على كل حاجة، خليها تنفعك، هي نجحت فعلاً، نجحت أنها توصلك لشخص مكروه حتى من أقرب حد ليك، نجحت أنها تبعدك عننا وتبعدنا عنك.
ثم نظر لها بغضب وقال:
-أهو عندك أشبعى بى، والفلوس مش هتقدرى تخدى منها ولا مليم، عارفة ليه؟ علشان أنا كتبت لنفسي كل حاجه بالتوكيل اللي كان معايا، أشبعي بي بقى، وبلغي عشيقك أنه ميحلمش كتير، واللي كان بيخطط ليه طول السنين اللى فاتت دي، بح مافيش.
ساد الصمت فى المكان.
واتسعت عينا عليا تدريجيًا مع كل كلمة كانت تسمعها.
أما معتصم فلم يعد يهتم بردة فعل أحد.
التفت إلى مهرة.
كانت تقف تبكي في صمت، ووجهها شاحب من الخوف والصدمة.
اقترب منها وأمسك يدها، ثم نظر إلى والده بغضب، وارغمها على التحرك معه إلى الأعلى.
ظل عاصم واقفًا مكانه مذهولًا.
بينما عليا فرهت شفاها بدهشة ولم تستطيع تصديق ما حدث منذ قليل.
حركت رأسها بغضب، وتعالت ضحكاتها الغاضبة وقالت:
-أكيد كل ده كدب، لالا مستحيل، بعد ما ضيعت عمري مع راجل كبير، أطلع من المولد بلا حمص! مش هسمحله ياخد مليم واحد، الفلوس دي من حقي أنا، مش هسمح لحد يقرب منها.
ونظرت أمامها بتوعد وقالت:
-أي حد، هيقرب من الفلوس، هنسفه من على وش الأرض.
فى تلك اللحظة شعر عاصم بألم حاد يخترق صدره.
وضع يده فوق قلبه بعنف، وانحنى قليلًا قبل أن يجلس على الأريكة بصعوبة.
بدأ يتنفس بصوت مرتفع ومتقطع.
وبرغم الألم الذى كان يمزقه من الداخل، رفع عينيه نحو عليا. حاول أن يستنجد بها. لكنها لم تكن ترى شيئًا سوى الأموال التى ضاعت من بين يديها.
تكلم بصوت ضعيف وهتف عليها حتى تقترب منه.
نظرت له بغضب شديد وتركته واتجهت إلى غرفتها.
تابعها بعينين ممتلئتين بالصدمة وعدم التصديق. حاول أن يتكلم بصعوبة.
لقد اشتد الألم عليه أكثر. شعر بأن أنفاسه أصبحت أثقل.
وبأن قلبه يخونه للمرة الأخيرة.
هتف على ابنه بصوت واهن بالكاد خرج من بين شفتيه.
لكن لم يكن هناك من يسمعه.
ولم يستطع التحمل أكثر من ذلك.
أغلق عينيه، وفارق الحياة.
*************************
“الفصل السادس”
صعدت مهرة معه إلى الطابق العلوي بخطوات متعثرة، بينما كانت الدموع تنساب فوق وجنتيها بلا توقف، كانت شهقاتها تتعالى رغم محاولاتها المستميتة لكبتها، أما قلبها فكان يرتجف من القهر والخوف والإهانة.
فتح معتصم باب غرفة والدته بسرعة وأدخلها إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفه، واستدار إليها على الفور. كانت تقف بعيدة عنه، تحتضن نفسها بذراعيها كأنها تحاول الاحتماء من العالم كله.
نظر إليها بعينين امتلأتا بالعجز وقال بصوت مختنق:
-مهرة، بصيلي مهرة، متزعليش علشان خاطري، كفاية عياط وبصيلي.
هزت رأسها بعنف وهي تبعد يده عنها، ثم تراجعت عدة خطوات إلى الخلف، وقد خرج صوتها ممزقًا بين شهقات البكاء:
-أبعد عني، ملكش دعوة بيا، أنا عايزه أمشي.
واستدارت متجهة نحو الباب، تريد الهروب من هذا المكان كله، لكن معتصم أسرع خلفها وأمسكها برفق محاولًا تهدئتها قبل أن تنهار أكثر، وقال برجاء صادق:
-علشان خاطري أهدي، أنا آسف متزعليش، مهرة بترجاكي أسمعيني.
كانت حنان تتابع المشهد بذهول، لا تفهم ما الذي حدث حتى وصلت الأمور إلى هذا الحد، فسألت بقلق واضح:
-أيه ده؟ فيه أيه يا ولاد مالكم ؟!
مرر معتصم يده فوق وجهه بإرهاق شديد قبل أن يجيب بصوت أثقلته المرارة:
-بابا مد أيده عليا وعليها، الهانم سخنته علينا، بس وديني ما هرحمها.
اتسعت عينا حنان بصدمة وألم، ونظرت إلى مهرة التي ما زالت تبكي بحرقة، ثم قالت بحزن:
-لا حولا ولا قوة إلا بالله، متزعليش يا بنتي، أنا عارفة أنك مالكيش ذنب في اللي بيحصل هنا ده، بس هنقول أيه؟ منها لله اللي كانت سبب في قسوة قلب عاصم بالشكل ده.
ساد صمت قصير داخل الغرفة، صمت ثقيل يحمل الكثير من الكلمات غير المنطوقة.
وفجأة أمسك معتصم يد مهرة برفق، كان اتخذ قرارًا لن يتراجع عنه مهما كانت العواقب، ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة:
-مهرة أنا قولتها بيني وبينك، دلوقتي هقولها قصاد ماما، أنا بحبك يا مهرة وعايز اتجوزك.
تجمدت ملامحها بالكامل.
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، حتى إنها نسيت البكاء للحظة. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم التفتت إلى حنان بتوتر شديد، كانت تبحث عن أي دليل يخبرها إن كانت تسمع الحقيقة أم مجرد حلم مستحيل.
لكنها وجدتها تنظر إليهما بابتسامة حنونة دافئة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وأعادت خصلة من شعرها المرتبك خلف أذنها وهي تقول بتلعثم:
-ا أنت بتتكلم بجد؟
ابتسم لها معتصم وأومأ برأسه مؤكدًا:
-امم.. بتكلم بجد يا مهرة.
ثم التفت إلى والدته وقال مبتسمًا:
-أيه رأيك يا ماما؟
أشرقت ملامح حنان بسعادة حقيقية وقالت:
-والله يا ابنى، ما دام هتكون سعيد معاها، وقلبك اللي اختارها، يبقى على خيرة الله، واحنا مش هنلاقى أحسن من مهرة، مؤدبه وأخلاقها عليا.
ظلت مهرة تنظر إليهما وكأنها عاجزة عن استيعاب ما تسمعه.
كانت الكلمات أكبر من أن يصدقها عقلها.
همست بصوت مرتجف والدموع تلمع داخل عينيها:
-أنتوا بتتكلموا بجد؟
رفع معتصم يده نحو وجنتها ومسح دموعها بحنان ثم قال:
-أيوه يا مهرة بنتكلم بجد، مستغربه ليه؟
اهتزت شفتيها وهي تهمس:
-ما أنا قلتلك، أنتوا فين، وأحنا فين، فرق ما بين السما والأرض.
هز رأسه رافضًا حديثها تمامًا وقال بنبرة مليئة بالصدق:
-مافيش حاجه إسمها انتو فين وأحنا فين، كلنا بشر وكلنا واحد محدش فينا بيختار هيتولد فين وابن مين، ومش معنى أننا عندنا شركات وعايشين في فيلا، يبقى كدا أحنا مميزين ولا فينا حته زياده، دي فكرة متخلفة يا مهرة، وعمرنا أنا وماما ما اعترفنا بيها، أحنا لينا الشخص اللي قصادنا ده، يكون كويس إبن بواب إبن وزير مش فارقه بقى.
لم تستطع السيطرة على نفسها أكثر.
وضعت يدها فوق فمها محاولة كتم شهقاتها التي عادت من جديد، لكن هذه المرة لم تكن شهقات حزن فقط، بل امتزجت بشعور لم تعرفه من قبل.
ابتسم لها معتصم بحنان وقال:
-أهدي يا مهرة، وتعالى يلا أروحك، وبالمره أكلم مامتك.
ثم التفت إلى والدته وقال بحزم:
-وأنتي يا ماما، قومي أجهزي، هخدك معايا، مش هنعيش في البيت ده ثانيه واحده.
أومأت حنان برأسها موافقة دون تردد:
-ماشي يا حبيبي اللي تشوفه.
نهضت من فوق الفراش، فسارعت مهرة إلى إسنادها ومساعدتها على تبديل ملابسها. وبعد فترة قصيرة أصبح الثلاثة مستعدين للمغادرة.
هبطوا الدرج معًا.
لكن ما إن وصلوا إلى الطابق السفلي حتى توقفوا فجأة.
كان عاصم ممددًا فوق الأريكة بصورة غير طبيعية.
شعر معتصم بانقباض مفاجئ داخل صدره، وأسرع نحوه بخطوات متلهفة.
جثا بجواره وأمسك يده وهو يهتف بقلق متزايد:
-بابا! يا بابا رد عليا، بابا.
لكن لم يصله أي رد.
تسارعت أنفاسه وهو يخرج هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا بالإسعاف.
مرت الدقائق ثقيلة كالساعات قبل وصولهم.
وبعد فترة قصيرة كانوا جميعًا داخل المشفى، ينتظرون خارج الغرفة بقلوب مضطربة.
ثم خرج الطبيب أخيرًا.
نظر إليهم بأسف واضح قبل أن يبلغهم بالخبر.
لقد فارق عاصم الحياة. سقط الخبر عليهم كالصاعقة.
تجمد الجميع في أماكنهم للحظات طويلة، غير قادرين على استيعاب ما حدث.
أما معتصم فشعر بشيء ينكسر داخله.
رغم كل ما فعله والده، ورغم كل الألم الذي تسبب فيه لهم، لم يستطع منع ذلك الإحساس القاسي الذي اجتاحه. إحساس الذنب.
وبعد انتهاء الإجراءات اللازمة، تم استلام الجثمان، وشيع عاصم إلى مثواه الأخير وسط أجواء ثقيلة غلب عليها الحزن والصدمة والصمت.
*************************
مرت فترة وجيزة منذ وفاة عاصم، لكن آثار ما حدث ما زالت تلقي بثقلها على الجميع.
جلس معتصم خلف مكتبه داخل الشركة، مستندًا بظهره إلى المقعد، بينما كانت عيناه مثبتتين على المرأة الجالسة أمامه. كان يحاول السيطرة على غضبه بصعوبة بالغة، لكن مجرد رؤيتها أمامه كان كافيًا لإشعال النار داخل صدره من جديد.
تحدث أخيرًا بصوت جاد يحمل الكثير من السخرية الممزوجة بالاحتقار:
-حقوق أيه دي اللي بتقولي عليها؟ أنتي ملكيش أي حقوق عندي.
اشتعل الغضب داخل عليا، وبدت ملامحها متوترة وهي تقول بصوت مختنق:
-حقي من ورث أبوك، أنا مش كنت مراته وليا نصيب في كل حاجة؟
انفلتت منه ضحكة ساخرة ممتلئة بالاستنكار، ثم نهض من خلف مكتبه واقترب منها بخطوات بطيئة، قبل أن يتوقف أمامها مباشرة وينظر داخل عينيها قائلًا:
-يا بجاحتك يا شيخه! ليكي عين وجايه تطلبي حقك في الورث، ده أنتي جبروت والله.
ارتبكت قليلًا أمام نظراته الحادة، لكنها تماسكت وقالت:
-آ آه، ليا حق في كل قرش يخص عاصم الله يرحمه.
لم يعد قادرًا على كبح أعصابه أكثر، فهدر بها بغضب:
-أنتي مجنونة؟ ولا بتستعبطي؟ يعني لا حضرتي جنازه، ولا دفنا، ومجرد ما روحنا بي المستشفى، روحتي عند عشيقك، وبكل جرأة جايه هنا بطالبي بورثك، أمشي غوري من هنا، وحسك عينك تقربي من الشركه تاني، وأحمدي ربنا، أن أنا سيبك عايشه لحد دلوقتي.
اشتدت ملامحها قسوة وقالت بتهديد واضح:
-بلاش تتحداني يا معتصم، علشان أنت مش قدي، أديني نصيبي بالرضا وكل واحد يروح لحاله، بدل ما هخده برضه، بس بالغصب وساعتها هندمك.
أشار بيده نحو الباب دون أن يحاول حتى إخفاء احتقاره لها:
-أطلعي بره!
وقفت فجأة ونظرت إليه بنظرات متوعدة قبل أن تقول:
-ماشي يا معتصم! أنت اللي جبته لنفسك، ونصيبي هخده وبالزياده كمان.
ثم اندفعت إلى الخارج وأغلقت الباب خلفها بعنف اهتزت له أرجاء المكتب.
ظل معتصم يحدق في الباب المغلق لثوانٍ طويلة قبل أن يتمتم بضيق:
-بني آدمه مستفزة.
مرر يده فوق وجهه محاولًا استعادة هدوئه، ثم ألقى نظرة سريعة على ساعة يده. اتسعت عيناه قليلًا عندما أدرك اقتراب موعد انتهاء محاضرات مهرة.
نهض على الفور من مكانه.
رغم كل ما حدث بينهما خلال الأيام الماضية، لم يستطع التوقف عن التفكير بها أو القلق عليها.
غادر الشركة سريعًا، واتجه نحو سيارته ثم انطلق بها إلى الجامعة.
وصل قبل خروجها بدقائق، فبقي ينتظر داخل السيارة وعيناه لا تفارقان البوابة الرئيسية.
وبعد فترة قصيرة بدأت الطالبات بالخروج.
ظهرت مهرة أخيرًا وسط صديقاتها.
ما إن وقعت عيناها عليه حتى تبدلت ملامحها فورًا.
نظرت إليه بضيق واضح، ثم أسرعت في السير وكأنها لم تره من الأساس.
شعر بانقباض داخل صدره.
هبط من السيارة بسرعة ولحق بها قبل أن تبتعد أكثر، ثم أمسك ذراعها برفق وهو يقول:
-مهرة أستني! علشان خاطرى عايزك.
توقفت على مضض واستدارت إليه بعينين ممتلئتين بالغضب والعتاب:
-نعم؟ أفندم عايز أيه تاني؟ مش كفاية اللي حصل من ماما فيا بسببك؟
انخفضت ملامحه بأسف حقيقي وهو يقول:
-أنا آسف يا مهرة، مكنتش أعرف أن مامتك هتضربك بالشكل ده، لما أطلب أيدك، مع أن معرفش هى عملت كده ليه؟ أنا دخلت البيت من بابه واتقدمت ليكى زي أي حد
أطلقت زفرة طويلة مثقلة بالحزن قبل أن تقول:
-هى ماما كده، تفكيرها أخدها أن أنا اللي وقعتك فيا علشان تتجوزني.
عقد حاجبيه بعدم تصديق:
-ده بجد! طيب أزاي؟ مش المفروض أنها هي اللي ربيتك، وعارفه أخلاق بنتها أزاي؟
ردت عليه بسرعة، كانت تريد إنهاء الحديث بأكمله:
-لو سمحت اتفضل أمشي من هنا، ومالكش دعوه بيا، كفايه اللي حصلنا من وراه معرفتكم، أرجوك يا معتصم كفايه لحد كده.
ثم استدارت وغادرت مسرعة قبل أن تمنح نفسها فرصة للتراجع.
أوقفت سيارة أجرة واستقلت بداخلها.
أما هو فظل واقفًا مكانه يراقب السيارة حتى اختفت تمامًا من أمامه.
شعر وكأن المسافة بينهما أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
عاد بخطوات بطيئة إلى سيارته، واستقلها ثم انطلق عائدًا إلى المنزل وقلبه مثقل بخيبة موجعة.
**************************
عادت مهرة إلى المنزل وهي تحمل فوق كتفيها كل ما حدث منذ لقائها بمعتصم.
ألقت تحية سريعة بالكاد سمعت، ثم تجنبت النظر إلى والدتها واتجهت مباشرة إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، وجلست فوق الأريكة، كانت كل قوتها قد نفدت دفعة واحدة.
أسندت رأسها إلى ذراعها، ولم تستطع مقاومة الدموع أكثر.
انهمرت دموعها بغزارة بينما أخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا حتى أصبحت مسموعة خارج الغرفة.
وصل صوت بكائها إلى أمينة.
فتركت ما بيدها وأسرعت نحو الغرفة بقلق حقيقي.
دفعت الباب ودلفت إلى الداخل، لتجد ابنتها منهارة فوق الأريكة.
اقتربت منها بسرعة وسألتها بقلق:
-مالك؟ بتعيطي ليه؟ حاجه حصلت حد أتعرضلك؟
رفعت مهرة رأسها ببطء.
كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء.
أبعدت خصلات شعرها المبعثرة إلى الخلف ونظرت إلى والدتها بانكسار مؤلم قبل أن تقول:
-ليه عملتي كده؟ أنا كنت حبيته، وهو جه وأتقدم، معملش حاجه غلط علشان تعملي كل ده؟
تنهدت أمينة بضيق وجلست على حافة السرير. كانت تعلم أن هذه المواجهة ستأتي عاجلًا أم آجلًا.
رفعت عينيها نحو ابنتها وقالت بصوت مختنق:
-علشان مش عايزاكي رخيصة يا بنتي، الفرق الإجتماعى ما بينكم مش هيكون في صالحك، مع الوقت هيتعامل معاكي على أنك رخيصة، مش رخيصة في الشرف، لا، رخيصة في الكرامة، وهيعتبر نفسه أنه نزل من نفسه علشان خاطرك، وعمل جميل فيكي ورفعك، وأنتي هتكوني مجبرة تصدقي، لأن ده فعلاً اللي حصل، ربنا خلقنا طبقات يا بنتي، وكل طبقه ليها ناسها اللي هيقدروا يتأقلموا مع بعض، وأحنا طبقتنا غير طبقتهم، وعمركم ما هتقدروا تبقوا مع بعض.
وضعت مهرة يدها فوق وجهها وهي تبكي بحرقة أكبر.
كان حديث والدتها يؤلمها لأنها تعرف أن مصدره الخوف عليها، لكنه في الوقت نفسه كان يقتل كل أمل تحاول التمسك به. قالت من بين شهقاتها:
-بس أحنا كلنا عند ربنا واحد، الطبقات دي، فكرة مجتمع عقيم، محدش أحسن من حد، كلنا مخلوقين من طين، وكلنا آخرتنا واحده، ليه بقى الناس بتعمل فروق أجتماعية في الدنيا، أنا مش مجبره أكسر قلبي لمجرد أنه هو غني وأنا فقيرة، الحب ميعرفش الفروقات، الحب يا ماما بيعمل المستحيل وأنا ومعتصم بنحب بعض.
أغمضت أمينة عينيها للحظة وكأنها تحاول منع نفسها من التأثر بدموع ابنتها. ثم نهضت من مكانها وقالت بحسم:
-وأنا قلت مافيش جواز يا مهرة، الموضوع منتهي، ومش عايزه كلام تاني فيه.
أنهت كلماتها وغادرت الغرفة.
أما مهرة فظلت تحدق في الباب المغلق لثوانٍ طويلة. ثم استسلمت أخيرًا لوجعها.
ارتمت فوق الأريكة تحتضن نفسها، بينما استمرت دموعها في الانهمار بصمت، وكأن قلبها يبكي أكثر مما تبكي عيناها.
**************************
“الفصل السابع”
مرت عدة أيام، كانت خلالها مهرة تحاول أن تمضي يومها بصورة طبيعية، لكن شيئًا ما داخلها ظل مضطربًا.
خرجت من الحرم الجامعي بعد انتهاء محاضراتها، وأخذت تبحث بعينيها بين السيارات المتوقفة عن سيارة معتصم، الذي اعتاد انتظارها كل يوم رغم إصرارها المستمر على رفضه والابتعاد عنه. لم تجده في مكانه المعتاد، فتنهدت بضيق واتجهت نحو الطريق وهي ترفع يدها لتستوقف سيارة أجرة.
لكن قبل أن تصل إلى وجهتها، توقفت بجوارها سيارة بشكل مفاجئ.
في لحظة خاطفة، امتدت عدة أيدي إلى داخل السيارة وسحبتها بعنف قبل أن تتمكن من الصراخ. حاولت المقاومة، لكن أحدهم وضع شيئًا على أنفها، فبدأت الرؤية تتلاشى من أمام عينيها تدريجيًا حتى غاصت في ظلام كامل.
بدأت تحرك رأسها بألم شديد وتحاول فتح عينيها بصعوبة. كانت تشعر بثقل هائل يجثم فوق جسدها، بينما تدور الأشياء من حولها بصورة مشوشة.
نظرت حولها بنظرات تائهة، تحاول أن تستوعب أين هي وكيف وصلت إلى ذلك المكان، وفي تلك اللحظة تمامًا اخترق أذنيها صوت ضحكة تعرفها جيدًا.. تجمد الدم في عروقها.
التفتت نحو مصدر الصوت بسرعة وقالت بصدمة:
-أنتي!
اقتربت إليها وامسكتها من شعرها بغضب وقالت:
-نورتي يا حلوة.
تكلمت بألم وقالت بصوت مختنق:
-أنتي عايزة مني أيه تاني؟ مش كفايه اللي بشوفه في حياتي أنا وماما بسببك؟
ضغطت على أسنانها بغضب وقالت:
-أنا اللي حياتي أتقلبت من ساعة ما دخلتي حياة معتصم، أنتي السبب في أنه وقف قصاد أبوه، ويموت بسببه، لو كان استنى أيام بس، كان زماني اخده منه كل حاجة على حياة عينيه، بس أحنا فيها، حقي هخده من معتصم برضاه أو غصب عنه، لما نشوف بقى القطة غاليه قد أيه عنده؟ ومين الأهم أنتي ولا الفلوس؟
نظرت لها بغضب وقالت:
-واعنتى فاكره أن البلد سايبه لدرجاتي؟ وهتعدي بعملتك دي؟ تبقي بتحلمي! أخرتك الحبس يا عليا، والفلوس مش هتنفعك بحاجة.
تعالت ضحكاتها وقالت:
-الحبس ليكي واللي زيك، إنما أنا لا يا ماما، أنا هاخد الفلوس وهسافر بيها بره، واتجوز اللي بحبه وقلبي اختاره، وأنتي هتكوني المرحومه، لأنك مش خارجه من هنا غير على قبرك يا حلوه، بس قبل القبر فيه حاجة لازم أحرق قلب معتصم عليها.
وهتفت على رجالها ونظرت لهم وأشارت بأصابعها على مهرة وقالت:
-عايزاها زي ما أمها ولادتها، عيشوا حياتكم معاها، وصورها بقى كام صوره وهي في حضنكم، مش هوصيكم.
ونظرت إلى مهرة بغضب وتعالت ضحكاتها الشرانيه، وخرجت وتركتهم.
شعرت مهرة وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
تسارعت أنفاسها بصورة مرعبة، بينما راحت الدموع تنهمر فوق وجنتيها دون توقف. ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بترجي:
-أبوس أيديكم، متعملوش فيا كده أرجوكم.
لكن توسلاتها ضاعت وسط نظرات باردة خالية من الرحمة.
ارتجف جسدها بعنف، وأخذت تتراجع إلى الخلف ما استطاعت، بينما كان الخوف يلتهمها من الداخل لحظة بعد أخرى. ظلت تصرخ وتستنجد بأي أحد يمكن أن يسمعها، لكن المكان كان موحشًا، وصوتها بدا يتبدد في الفراغ.
ومع ازدياد الرعب والألم والصدمة، بدأت قواها تخونها تدريجيًا، حتى أصبحت الأصوات من حولها بعيدة ومشوشة.
ثقلت جفونها، ومال رأسها إلى الجانب، ثم فقدت وعيها تمامًا، وغرقت في ظلام لا تعلم ما الذي ينتظرها بعده.
***************************
تراجع معتصم بجسده إلى ظهر المقعد وأغمض عينيه لثوانٍ قليلة محاولًا التقاط أنفاسه. كان اليوم مرهقًا على نحو غير معتاد، ساعات طويلة من الاجتماعات والملفات والمشكلات المتراكمة التي لم تمنحه فرصة للراحة أو حتى التفكير في أي شيء آخر. رفع معصمه ونظر إلى ساعته، فتجهم وجهه على الفور عندما أدرك أن موعد خروج مهرة من الجامعة قد مر منذ وقت ليس بالقليل.
زفر بضيق وهو يلتقط هاتفه تلقائيًا، لكن قبل أن يتمكن من الاتصال بها، أضاءت الشاشة معلنة وصول رسالة من رقم مجهول.
انعقد حاجباه باستغراب، وشعور غامض بالقلق تسلل إلى صدره دون سبب واضح. فتح الرسالة سريعًا، وما إن وقعت عيناه على محتواها حتى تجمدت ملامحه بالكامل.
اتسعت عيناه بصدمة قاسية، وأخذ يتفحص الصور واحدة تلو الأخرى بعينين مرتجفتين، يرفض تصديق ما يراه أمامه. شعر ببرودة حادة تسري في أطرافه، بينما كان عقله يحاول عبثًا استيعاب ما يحدث.
اشتدت قبضته حول الهاتف حتى كادت أصابعه تحطمه، وتعالت أنفاسه بصورة متسارعة قبل أن يهمس بغضب مشتعل:
-مافيش غيرها، الشغل ده ميطلعش غير منها.
لم يتردد ثانية واحدة، بل ضغط على الرقم الذي يعرفه جيدًا وأجرى الاتصال فورًا.
مرت لحظات بدت له سنوات، قبل أن يأتيه الرد أخيرًا.
وما إن سمع ضحكاتها المتشفية تخترق أذنه حتى اشتعلت النيران داخله بصورة أعنف، وانقبض فكه بقوة وهو يقول:
-ليه بدخلي مهرة في اللي ما بينا ليه؟
تكلمت بصوت ضاحك وقالت:
-لأن هي دي اللي هتوجعك يا ننوس عين أمك، قلتلك بلاش اللعب معايا، هتخسر كتير، مصدقتش! أهي حبيبت القلب بقت فريسه لرجاله، وعملوا عليها احلى وليمه.
هدر بها بغضب وقال:
-هقتلك يا عليا، مش هرحمك من تحت أيدي.
تعالت ضحكاتها وتكلمت بتهكم:
-يا مامي! خوفتني، أنت عبيط يلا، قصره حقي من ورث أبوك يكون عندي، أحسن ما ابعتلك الحلوه جثه هامدة، وأنت جربت كلامى مش مجرد تهديد وخلاص.
انقطع الاتصال، لكن كلماتها بقيت تتردد داخل رأسه كالمطارق.
ظل الهاتف بين يديه لثوانٍ قبل أن يقذفه بعنف بعيدًا عنه، ثم هبط على الأريكة، قوة هائلة سحبت من جسده دفعة واحدة.
أسند مرفقيه إلى ركبتيه وأخفى وجهه بين كفيه، بينما كانت العواصف تتلاطم داخله بلا رحمة.
كل ما كان يراه أمامه هو وجه مهرة.
دموعها. خوفها.
وكلماتها التي طالما حاول تجاهلها.
تسابقت العبرات على وجنتيه دون أن يشعر، وشعر بثقل الذنب يطبق على صدره حتى كاد يخنقه.
عندما تذكر الصور من جديد، نهض بعنف ولكم سطح المكتب بقوة جعلت ما فوقه يهتز، ثم صاح بصوت مخنوق بالألم:
-حقك عليا يا مهرة، أنا السبب في اللي حصلك، كان عندك حق لما قلتيلي أن أبعد عنك، أنا اللي غبي.
ساد الصمت لثوانٍ، لكنه لم يكن صمتًا حقيقيًا، بل كان صراعًا محتدمًا داخل عقله وهو يحاول إيجاد مخرج من هذا الكابوس.
بدأ يدور بعينيه في أرجاء المكتب بعصبية، محاولًا التفكير في أي حل، أي خطوة، أي شيء يمكن أن ينقذها قبل فوات الأوان.
ثم توقف فجأة، واشتدت ملامحه بعزم قاسٍ وهو يقول بتوعد:
-أنا لازم أتصرف، حتى لو أديتها حقها في الورث، هتأذيها وتخلص عليها، لازم أشوف أي صرفه تانيه أنقذها بيها، تيجي تحت أيدى بس يا عليا، وديني لأدفعك التمن غالي أوي.
أنهى كلماته وهو يتحرك بسرعة خاطفة.
انحنى والتقط هاتفه من الأرض، ثم اندفع خارج المكتب دون أن يلتفت خلفه.
هبط الدرج بخطوات متسارعة، يكاد يركض من شدة التوتر، قبل أن يخرج إلى الخارج ويستقل سيارته.
أدار المحرك بعنف، ثم انطلقت السيارة كالسهم تشق الطريق أمامه، بينما لم يكن في ذهنه سوى هدف واحد.. العثور على مهرة قبل أن يضيع كل شيء.
*************************
حركت مهرة رأسها ببطء شديد، وكأن جبلًا من الألم جثم فوقها طوال الليل. شعرت بأن كل عظمة في جسدها تصرخ وجعًا، وأن جسدها لم يعد ملكًا لها، بل مجرد كتلة مثقلة بالإرهاق والإنهاك. أطلقت أنينًا خافتًا وهي تحاول استجماع وعيها المبعثر، بينما كانت الذكريات الأخيرة تتسلل إلى عقلها تباعًا كالكوابيس.
ما إن تذكرت ما حدث حتى انقبض قلبها بعنف، وتسارعت أنفاسها بصورة مؤلمة. رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، وانهمرت الدموع من عينيها دون إرادة منها. أخذت تنظر حولها باضطراب، تتفحص المكان بعينين مذعورتين، كانت تبحث عن أي وجه مألوف أو أي إشارة تطمئنها بأنها لم تترك وحيدة في هذا الجحيم. في تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء.
التفتت نحوه بسرعة، لتجد امرأة تدخل إلى الغرفة بخطوات متزنة. كانت ملامحها هادئة على نحو غريب، لا تحمل قسوة ولا تعاطفًا واضحًا، الأمر الذي جعل مهرة تعجز عن قراءة ما يدور خلف تلك النظرات الساكنة.
نظرت إليها بدموع وقالت بتساؤل:
-لو سمحتي ممكن أعرف أنا فين دلوقتي؟
نظرت لها بنظرات خاليه من اى تعبير وتكلمت بصوت حاد:
-أنتي لسه زي ما أنتي، في نفس المكان.
شعرت مهرة باختناق أكبر وهي تسمع الإجابة، زفرت بضيق وقالت بدموع:
-طيب ممكن تطمنيني، حصل حاجه ولا لا؟
حركت رأسها بهدوء وقالت:
-أطمني، أنتي زي ما أنتي، الرجاله لما أغمى عليكي بعدوا عنك وسابوكي.
حدقت بها مهرة لثوانٍ طويلة، وكأنها تحاول التأكد من صدق كلماتها، ثم ارتجفت شفتاها قبل أن تقول:
-ياريت، كنت موت و أرتحت من كل اللي بيحصلي ده.
وضعت يدها على وجهها وظلت تبكى.
كانت شهقاتها تملأ أرجاء الغرفة، حاملة معها كل الخوف والانكسار اللذين تراكما داخلها خلال الأيام الماضية. شعرت بأنها لم تعد قادرة على تحمل المزيد، وأن الحياة تصر على اختبار قدرتها على الصمود مرة بعد أخرى.
راقبتها المرأة بصمت لبرهة، ثم ألقت نظرة سريعة حولها قبل أن تقترب منها بخطوات حذرة.
-متخافيش، أنا جنبك مش هسمح لحد يقرب منك.
رفعت مهرة رأسها نحوها ببطء، وقد ارتسمت على وجهها علامات الحيرة والدهشة.
-وأنتي بتعملي معايا كده ليه؟ أنتي تعرفيني؟
اومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
-أيوه، أنتي مره ساعديني، لو مكنتيش حذرتيني أن ابن صاحب البيت اللي كنتي شغاله فيه بيخطط علشان يضحك عليا و ياخد مني اللي عايزه، الله أعلم كان أيه ممكن يحصلي وبفضلك بعد عنه ولحقت نفسي.
اتسعت عينا مهرة بدهشة، وهي تحاول تذكر الموقف الذي تتحدث عنه المرأة، بينما شعور خافت بالامتنان تسلل إلى قلبها وسط كل ذلك الخوف.
اقتربت المرأة منها أكثر، ثم نزعت المحلول من يدها بحذر، وألقت عليها نظرة مطمئنة، تحاول أن تنقل إليها بعض الأمان الذي فقدته منذ وقت طويل.
بعدها استدارت بهدوء واتجهت نحو الباب، ثم خرجت من الغرفة تاركة مهرة وحدها من جديد.
ظلت مهرة تتابعها بعينيها حتى اختفت تمامًا خلف الباب، كانت تتشبث بآخر خيط من الطمأنينة تركته خلفها.
وبعد لحظات، اعتدلت جالسة فوق السرير بصعوبة، ثم أغمضت عينيها وأطلقت زفرة طويلة مرتجفة.
لأول مرة منذ استيقاظها شعرت بشيء من الارتياح، ولو كان ضئيلًا للغاية.
رفعت كفيها المرتجفتين إلى السماء، وتمتمت بدعاء خافت خرج من أعماق قلبها المنهك، تسأل الله أن ينجيها من هذا الكابوس، وأن يكتب لها مخرجًا من هذا الهلاك الذي يحيط بها من كل جانب.
****************************
وقفت أمينة في الشرفة الداخلية للمنزل، تتشبث بحافة السور المعدني وكأنها تستمد منه بعض القوة التي بدأت تتسرب منها شيئًا فشيئًا. كانت عيناها معلقتين بالطريق الممتد أسفلها، تراقب المارة والسيارات القادمة والراحلة في لهفة موجعة، لعلها تلمح وجه ابنتها بين الزحام أو ترى طيفها يقترب من بعيد.
لكن الدقائق كانت تمضي ببطء قاتل، والشارع يزداد ظلمة، بينما لا أثر لمهرة.
شعرت بقلبها ينقبض أكثر مع كل دقيقة تمر، وبدأت الأفكار السوداء تتسلل إلى عقلها رغم محاولاتها المستميتة لطردها. انهمرت الدموع على وجنتيها بغزارة، وأخذت ترفع يديها إلى السماء بين الحين والآخر، تتمتم بأدعية متقطعة خرجت من قلب أم أنهكه الخوف.
نظرت إلى ساعة يدها للمرة التي لا تعلم عددها، وما إن وقعت عيناها على الوقت حتى شعرت بأن أنفاسها تضيق أكثر. لقد تأخر الوقت كثيرًا.. أكثر مما ينبغي.
لم تعد قادرة على الانتظار.
اندفعت إلى غرفتها بخطوات مضطربة، وارتدت إسدال الصلاة على عجل، ثم هبطت الدرج مسرعة حتى كادت تتعثر أكثر من مرة.
خرجت إلى الشارع وأوقفت سيارة أجرة، ثم أعطت السائق العنوان بصوت مرتجف، بينما كانت أصابعها تعتصر طرف ثوبها من شدة التوتر.
طوال الطريق لم تتوقف عن الدعاء.
كانت تتمسك بأمل صغير يخبرها أن ابنتها هناك، وأن كل ما يحدث مجرد سوء فهم سينتهي بمجرد أن تراها أمامها.
وبعد وقت، توقفت السيارة أمام الفيلا.
ترجلت منها بسرعة، واتجهت نحو الباب الرئيسي، ثم ضغطت على زر الجرس عدة مرات متتالية دون صبر.
وما إن فتح الباب حتى اندفعت إلى الداخل كالإعصار، تهتف باسم معتصم بصوت مرتفع اختلط فيه الخوف بالرجاء.. لم تمض سوى ثوانٍ حتى ظهر أمامها.
لكن ما إن رأت ملامحه حتى اهتز قلبها بعنف. كان وجهه شاحبًا على نحو أقلقها أكثر.
أسرعت نحوه وأمسكت يده بكلتا يديها، ثم قبلتها في رجاء مؤلم وقالت:
-أبوس أيدك خلى بنتى ترجع، أنا عارفه أني غلطانه لما رفض جوازك ليها، وعارفه أني وقفت في طريق حبكم أنتوا الاتنين، بس كنت غبيه عملت كده علشان كنت خايفه عليها، خايفه تجرحها في يوم من الأيام، رجعها وأنا هجوزها ليك، أنا عارفه أنك عارف مكانها، أكيد هربت علشان زعلانه مني، بص بلغها أن أنا موافقه على جوازكم.
نظر لها بأستغراب وقال بصوت مختنق:
-أهدي يا أمي، مهرة عمرها ما تعمل كده، متقلقيش والله هرجعها ليكي، حتى لو كان التمن عمري.
توقفت أنفاس أمينة للحظة.
تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تحدق به بصدمة، ارتجفت شفتاها واشتد شحوب وجهها وهي تقول بصوت مهتز:
-ا أنت تقصد أيه بكلامك ده؟ ب بنتي فين يا معتصم؟
خفض بصره إلى الأرض للحظة قبل أن يجيب بصوت أثقلته المرارة:
-عليا خطفتها.
كان وقع الكلمات عليها أشبه بصاعقة ضربت قلبها مباشرة.
اتسعت عيناها بعدم تصديق، وأخذت تهز رأسها بعنف ترفض سماع الحقيقة. وقالت بدموع:
-لا كدب، أنت بتضحك عليا صح؟ أنت اللي هربتها علشان تضغطوا عليا و اوافق على جوازكم، أتكلم يا معتصم وقول أن ده مش حقيقه، قول أنها هنا وهتطلع ليا دلوقتي من جوه، أنطق متقفش ساكت كده؟
كانت الكلمات تتدفق منها في حالة من الهلع والإنكار، عقلها يرفض تصديق أن ابنتها قد تكون في خطر حقيقي.
في تلك اللحظة اقتربت حنان منها بسرعة، واحتضنتها محاولة تهدئتها. وقالت بصوت حزين:
-أهدي يا حبيبتي معتصم أبنى مش هيسكت، وهيرجعها لينا، ده من ساعة ما رجع من بره مهداش شويه، ومن التليفون لده لتليفون ده.
لكن كلماتها لم تكن كافية لإخماد النار المشتعلة داخل قلب أمينة.
ابتعدت عنها وهدرت بهم بعدم تصديق وقالت:
-يعني أيه؟ بنتي اتخطفت؟ أنتوا اتجننتوا! بنتي مالها ومال عليا؟ أحنا طول عمرنا ماشين جنب الحيط، عمرنا ما أذينا حد، أحنا كل اللي بيحصل لينا من يوم ما شوفناكم، أنا عايز بنتى، أنا ماليش غيرها في الدنيا دي، رجعولي بنتي بقولكم.
كانت تبكي بصورة مؤلمة، وارتفع صوتها مع كل كلمة حتى بدا وكأن قلبها هو الذي يتحدث لا لسانها.
اقتربت منها حنان مرة أخرى، واحتضنتها بقوة أكبر هذه المرة. وقالت:
-وحدي الله بس يا حبيبتي، بنتك هترجع تاني لحضنك، بس أصبري ثقي في معتصم بس، ومتخافيش.
لكن الخوف كان قد استنزف كل ما تبقى لدى أمينة من قوة. استمرت في البكاء والصراخ داخل أحضان حنان، حتى بدأت أنفاسها تتقطع، وشعرت بدوار شديد يهاجمها فجأة.
ثقلت جفونها، وارتخت أطرافها، قبل أن يخذلها جسدها تمامًا وتسقط فاقدة للوعي. أسرع معتصم نحوها فورًا.
مال بجسده وحملها من بين ذراعي والدته بحذر، ثم صعد بها إلى إحدى الغرف.
وضعها فوق السرير برفق، وظل ينظر إلى وجهها الشاحب للحظات وقد ازداد شعوره بالذنب والعجز.
التفت بعدها إلى والدته وقال بصوت مختنق:
-خلي بالك منها يا ماما، أنا هروح مشوار بسرعه كده، وإن شاءالله أقدر أوصل لحاجة.
اومأت رأسها بحزن وقالت:
-ماشي يا أبني، ربنا معاك و يطمنا على مهرة يارب.
نظر معتصم إلى أمينة النائمة فوق السرير بعينين مثقلتين بالهموم، ثم ألقى نظرة أخيرة على والدته.
لم يكن يملك وعدًا أكيدًا يقدمه لهما.
لكنه كان يملك شيئًا واحدًا فقط.. الإصرار على إعادة مهرة مهما كلفه الأمر.
استدار سريعًا وغادر الغرفة، ثم هبط الدرج بخطوات متعجلة.
بعد لحظات كان يجلس خلف مقود سيارته، يضغط على عجلة القيادة بقوة بينما تعصف برأسه عشرات الأفكار.
ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة بسرعة كبيرة تشق الطريق أمامه، بينما كان قلبه يردد دعاءً واحدًا لا يتوقف، أن يصل إليها قبل فوات الأوان.
***************************
“الفصل الأخير”
وصل معتصم إلى قسم الشرطة بعد رحلة بدت له أطول من عمر كامل. كان يقود سيارته بعقل مشتت وقلب يشتعل قلقًا، بينما تتزاحم في رأسه عشرات السيناريوهات المخيفة التي حاول مرارًا طردها دون جدوى.
ما إن دخل القسم حتى اتجه مباشرة إلى الداخل، وخطواته متسارعة ونظراته مضطربة، كل ثانية تمر تقتطع جزءًا جديدًا من روحه.
جلس على المقعد المقابل لمكتب الضابط، وحاول أن يتمالك نفسه، لكن الإرهاق النفسي الذي عاشه خلال الساعات الماضية كان أكبر من أن يخفيه.
بدت ملامحه شاحبة، وعيناه محمرتين من الغضب والقلق، بينما خرج صوته مثقلًا بالانكسار والحزن وهو يقول:
-أنا عايز أوصل ليها في أسرع وقت، مامتها منهاره علشانها، أنا عايز أدي اللي إسمها عليا دي، درس تفضل فكراه العمر كله.
استمع إليه الضابط بهدوء، ثم اعتدل في جلسته وأجابه بنبرة عملية تحمل قدرًا من الطمأنينة:
-أحنا وصلت لينا إخبارية عن مكانها، بس اللي بلغنا مش حابب يتذكر أسمه في القضيه، وحالياً جاري مداهمة المجرمين في المكان المذكور.
للحظة ظن معتصم أنه لم يسمع جيدًا.
حدق في وجه الضابط بعدم تصديق، الكلمات احتاجت إلى وقت حتى تستقر داخل عقله. ثم بدأت ملامحه تتغير تدريجيًا.
اتسعت عيناه، وانفرجت أساريره للمرة الأولى منذ اختفاء مهرة. اندفعت نبضات قلبه بقوة، لكن هذه المرة لم تكن من الخوف، بل من الأمل.
ذلك الأمل الذي كاد يفقده قبل ساعات قليلة. قال بصوت امتزجت فيه السعادة بالذهول:
-بجد حضرتك؟ يعني وصلتوا ليها خلاص؟!
أومأ الضابط برأسه مجيبًا بنبرة جادة:
-أيوه، تقدر تستناها ولو فيه حاجة تاني جدت هبلغها لحضرتك.
ظل معتصم ينظر إليه لثوانٍ طويلة، غير قادر على استيعاب أن الكابوس قد يقترب من نهايته فعلًا.
كانت المرة الأولى منذ اختفاء مهرة التي يشعر فيها بأن هناك ضوءًا حقيقيًا في نهاية هذا النفق المظلم.
نهض من مكانه بسرعة، وقد بدا الامتنان واضحًا في ملامحه، ثم قال بصدق:
-شكراً جداً لحضرتك، كنت أتمنى أعرف مين اللي ساعدكم، علشان أشكره بنفسي، بس طبعًا تحترم رغبته في عدم الإفصاح بأسمه، عن اذنك.
أومأ له الضابط بتفهم، بينما استدار معتصم متجهًا نحو الخارج.
خرج من المكتب بخطوات أسرع مما دخل، ورغم أن القلق لم يغادره بالكامل، إلا أن الأمل كان قد بدأ يستعيد مكانه داخل قلبه.
أصبح كل ما يتمناه الآن أن يرى مهرة أمامه. أن يطمئن أنها بخير.
أن تعود إلى والدتها التي تكاد تنهار من الخوف عليها.
وقف خارج القسم يحدق في الطريق الممتد أمامه، ثم أطلق زفرة طويلة يحاول بها التخلص من بعض ذلك الحمل الثقيل الجاثم فوق صدره.
ظل ينتظر في حالة ترقب مؤلمة، مترقبًا في كل لحظة ظهور سيارات الشرطة وعودة مهرة برفقة رجال الأمن.
كانت الدقائق تمر ببطء شديد.. لكنها للمرة الأولى منذ أيام لم تكن محملة باليأس، بل بالأمل.
****************************
بدأت سيارات الشرطة تتوافد إلى المكان تباعًا، وأحاطت القوات بالمنزل من جميع الجهات قبل أن تنطلق عملية المداهمة بسرعة وحسم. سادت الفوضى أرجاء المكان، وتعالت الأصوات المتداخلة بين أوامر رجال الشرطة ومحاولات الهرب اليائسة. وفي خضم تلك الفوضى، حاولت عليا الفرار بعدما أدركت أن كل شيء ينهار من حولها، وأن الخيوط التي نسجتها طوال الأشهر الماضية بدأت تتفكك واحدة تلو الأخرى.
اندفعت تركض بجنون، لا ترى أمامها سوى صورة الأموال التي ضاع حلمها بها، لكن محاولتها البائسة انتهت في لحظة واحدة عندما أصابها عيار ناري أثناء الهروب، فسقط جسدها أرضًا وسط بركة من الدماء. اتسعت عيناها بذهول وهي تحدق في الفراغ، لم تستوعب بعد أن النهاية التي كانت تعدها للآخرين جاءت إليها هي أولًا.
في الوقت نفسه، كان رجال الشرطة يفتشون المكان غرفة تلو الأخرى حتى عثروا على مهرة داخل إحدى الغرف المعزولة. كانت تجلس في صمت ثقيل، شاحبة الوجه، منهكة الروح والجسد. عندما فتح الباب أمامها ورأت رجال الشرطة يقفون هناك، لم تستوعب الأمر في البداية، وظلت تحدق بهم للحظات طويلة كانت تخشى أن يكون ما تراه مجرد وهم آخر.
اقتربوا منها وأخبروها بأنها أصبحت بأمان، فشعرت بشيء داخل صدرها ينهار دفعة واحدة. لم تكن تعلم إن كانت ترغب في البكاء أم الضحك أم الصراخ، كل ما كانت تعرفه أن هذا الكابوس أوشك على الانتهاء أخيرًا.
صعدت معهم إلى سيارة الشرطة، وجلست في المقعد الخلفي بصمت. كانت عيناها تائهتين بين الطرقات والمباني التي تمر أمامها، بينما تتزاحم داخل رأسها عشرات الصور والذكريات المخيفة. حاولت أن تستوعب أنها نجت، لكنها لم تستطع، فكانت كلما أقنعت نفسها بذلك عادت إليها لحظات الرعب التي عاشتها، فتشعر بقلبها يرتجف من جديد.
وبعد وقت ليس بقليل، وصلت السيارة إلى قسم الشرطة.
هبطت منها بخطوات مترددة، وما إن دخلت إلى الداخل حتى وقعت عيناها على معتصم.
كان يقف هناك منذ ساعات طويلة، ينتظر أي خبر عنها، وعندما رآها أمامه لم يمنحه عقله فرصة للتفكير. ركض نحوها دون شعور، روحه سبقته إليها، ثم احتضنها بقوة وهو يقول بحب:
-حمدالله على السلامه يا مهرة، أنا كنت هموت عليكي، أنا مش مصدق نفسي أنك بين أيديا.
تجمدت للحظة داخل ذراعيه، وظلت يدها معلقة في الهواء، عاجزة عن الحركة من شدة الصدمة والانفعال. لكنها سرعان ما تشبثت به بقوة وكأنها تخشى أن يختفي هو الآخر من أمامها، ثم انفجرت بالبكاء، بكاءً حمل كل ما اختزنته داخلها من خوف وألم وعجز.
ربت على ظهرها بحنو وقال بنبره هادئه:
-شش، أهدي يا مهرة، أنتي دلوقتي في حضني، ومحدش هيقدر يقرب منك تاني.
ابتعدت عنه وازالة عبراتها بأناملها المرتعشة، وقالت من بين شهقاتها:
-ماما عاملة أيه؟ أكيد منهارة علشاني صح؟
اومأ رأسه بالتأكيد وقال:
-أيوه، بس متقلقيش ماما معاها.
وضعت يدها على فمها وقالت بدموع:
-أنا أتبهدلت أوي يا معتصم، دول دول ك ك كانوا عايزين…
وخنقتها العبرة قبل أن تكمل، فوضعت يدها على وجهها وانهارت بالبكاء من جديد، بينما كانت الكلمات تختنق داخل صدرها قبل أن تخرج.
نظر لها بقلق وقال بتساءل:
-ع عملوا فيكي حاجة يا مهرة؟
حركت رأسها بدموع وقالت:
-لا، بس كانوا هيعملوا، وأنا أغمى عليا وهما ساعتها بعدوا عني.
أغلق عينيه للحظة طويلة، شعر بساقيه تكادان تخونانه من شدة التوتر الذي عاشه خلال الساعات الماضية. تنهد بأرتياح وقال بحزن:
-حقك عليا يا مهرة، أنا السبب وأهي، خدت جزئها من عند ربنا، أمشي يلا، هياخدوا أقوالك في القضية، وبعد كده نروح على الفيلا عندنا.
تحركا إلى الداخل، وخلال الإدلاء بأقوالها كانت مهرة تعيش الأحداث من جديد، وكل سؤال يطرح عليها كان يعيد إليها جزءًا من الرعب الذي حاولت نسيانه. وعندما انتهى كل شيء أخيرًا، خرجت برفقة معتصم وهي في حالة يرثى لها من شدة البكاء والإرهاق.
ربت على يدها برفق وقال:
-علشان خاطري أهدي يا مهرة، أرجوكي بلاش دموعك دي، خليكي قوية، علشان لما أمك تشوفك، متقلقش عليكي أكتر، وتفتكر أنك مداريه عليها حاجة.
حركت رأسها بالرفض وقالت بدموع:
-مش قادرة أتخيل اللي كان ممكن يحصلي، لو مكنتش قابلة الدكتوره دي وساعدت الشرطة، أنها توصلي صعبه عليا والله يا معتصم.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالامتنان لتلك المرأة المجهولة التي كانت سببًا في إنقاذها، ثم ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال بحب:
-عارف والحمد لله ربنا نجاكي، أهدي بقى علشان مامتك يا مهرة.
اومأت رأسها بالموافقه وقالت:
-حاضر يلا بينا.
خرجا معًا من القسم، واستقلا السيارة في طريق العودة. طوال الطريق كانت مهرة تنظر من النافذة بصمت، بينما قلبها يسبقها إلى والدتها. لم تكن تريد شيئًا من الدنيا كلها سوى أن تراها وتطمئن أنها ما زالت بخير.
وبعد وقت، توقفت السيارة أمام الفيلا.
ما إن هبطت حتى اندفعت إلى الداخل كانت تركض نحو الأمان ذاته، وأخذت تبحث بعينيها في كل مكان وهي تقول بلهفة ودموع:
-ماما فين يا معتصم؟
أشار بأصابعه إلى الأعلى وقال:
-في الأوضه اللي فوق.
لم تنتظر ثانية أخرى، بل ركضت صعودًا على الدرج، وكادت تتعثر أكثر من مرة من شدة استعجالها. وصلت إلى الغرفة ودفعت الباب بسرعة، لتجد والدتها مستلقية على الفراش وعلامات الإرهاق والحزن مرسومة على وجهها، بينما تجلس حنان بجوارها.
اقتربت منها بسرعة وجثت بجانبها، ثم أمسكت يدها المرتجفة بكلتا يديها.
نظرت لها حنان بسعادة وقالت:
-حمدالله على السلامه يا بنتي.
ابتسمت لها وقالت بصوت مختنق:
-الله يسلمك يا مدام حنان.
ثم نظرت إلى والدتها وقالت بدموع:
-ماما يا ماما! ردي عليا، أنا جيت أهو وجنبك.
فتحت أمينة عينيها ببطء، وعندما وقعت نظراتها على ابنتها اتسعت عيناها بذهول، كانت تخشى أن يكون ما تراه حلمًا سينتهي بعد لحظات.
اعتدلت بسرعة واحتضنتها بقوة وهي تبكي وقالت:
-بنتي حبيبتي نور عيوني من جوه، أنا مش مصدقه نفسي.
وحركت يدها على وجهها وقالت:
-أنتي رجعتي صح؟ يعني دي مش تهيؤات؟ ردي عليا يا بنتي أنتي موجوده صح؟
اومأت رأسها بدموع وقالت:
-صح يا ماما صح، أنا آسفه يا حبيبتى، علشان أنا السبب في دموعك دي، أنا بحبك أوي يا ماما أوي.
احتضنتها بدموع وقالت:
-أنا اللي آسفه يا نور عيوني، آسفه على كل مره ضربتك فيها، آسفه على وجع قلبك لما حرمتك من حبك، آسفه على كل دمعه نزلت أنا السبب فيها.
اشتد عناق الأم وابنتها أكثر، وكأن كل واحدة منهما تحاول أن تعوض الأخرى عن أيام طويلة من الخوف والوجع والحرمان.
جلس معتصم بجوار أمينه وربت على ظهرها وقال بسعاده
-بالمناسبة السعيده دي، ورجوع مهرة تاني وسطنا، بطلب منك أيد مهرة، وافقي بالله عليكي، أنا مقدرش أعيش من غيرها.
نظرت له بأبتسامه هادئه وقالت:
-وأنا موافقه يا أبني، ومتأكده أنك هتقدر تصونها وتحميها، علشان بتحبها، وهي كمان بتحبك أوي يا حبيبي.
شعرت مهرة بحرارة شديدة تتسلل إلى وجنتيها، فنهضت بسرعة وأعطتهم ظهرها محاولة إخفاء خجلها وقالت بتوتر:
-ها! ا أيه اللي أنتي بتقولي ده يا ماما؟
اقترب إليها وأمسك يدها بحب وقال بأبتسامه:
-بتقول اللي أنا شايفه في عيونك يا مهرة، أنا بحبك، ومتأكد أنك أنتي كمان بتحبيني، ومن النهارده مش هسمحلك تبعدي عني لحظه واحده، فاهمه؟
نظرت إليه بخجل واضح، بينما كانت الدموع لا تزال عالقة في عينيها، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف أو حزن، بل دموع راحة بعد عاصفة طويلة كادت تقتلع كل شيء.
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، ثم أومأت برأسها بالموافقة، منحته وعدًا صامتًا بأنها لن تترك يده بعد اليوم.
***************************
بعد عدة أعوام…
كانت الحياة قد دارت دورتها أخيرًا، ومرت السنوات حاملة معها الكثير من التغيرات. انطفأت جراح الماضي شيئًا فشيئًا، وبقيت آثارها مجرد ذكريات بعيدة تذكرهم بما تجاوزوه معًا. أما السعادة التي حرموا منها طويلًا، فقد عوضهم الله عنها أضعافًا مضاعفة.
هبطت مهرة درجات السلم بخطوات هادئة، بينما كانت تحمل طفلتها الصغيرة بين ذراعيها بحنان بالغ. ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وهي تتأمل صغيرتها التي كانت تعبث بخصلات شعرها ببراءة طفولية آسرة. كان المشهد كله يغمره دفء عائلي جميل، البيت امتلأ بالحياة منذ أن جاءت تلك الصغيرة إلى عالمهم.
رفع معتصم رأسه فور أن لمحها، فتوقفت عيناه عليها للحظات طويلة، كعادته كلما رآها. وبرغم مرور الأعوام، لم يتغير شيء من مشاعره تجاهها، بل بدا وكأن حبه يزداد رسوخًا يومًا بعد يوم.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم أخذ طفلته من بين ذراعيها بحرص، وقبل رأس زوجته بحب صادق وقال:
-أيه الجمال ده يا روحي؟ طالعه زي القمر.
اتسعت ابتسامتها أكثر، وشعرت بقلبها يمتلئ سعادة من كلماته التي لم يفقد بريقها أبدًا مهما تكررت، ثم قالت وهي تنظر إليه بحب:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي، وأنا أجي أيه بس جنب جمالك وحلاوتك دول؟ طيب أنا بفكر ألغي موضوع الحفله دي، ونقعد في البيت، علشان محدش يبص ليك و يعاكسك، أنا لو شفت واحده بتبصلك كده ولا بتقربلك ده أنا أكلها بسناني.
انفجر ضاحكًا، حتى ضحكت طفلته الصغيرة متأثرة بضحكاته دون أن تفهم السبب، فضمها إليه أكثر وقال بحب:
-وأنا لو حواليا بنات الدنيا بحالها، عمري ما أبص ليهم، علشان أنتي وبس اللي ساكنه قلبي وماليه عينيا، وعمومًا لو مش عايزه نروح الحفله، براحتك أنا بقول برضه خلينا ونطلع اوضتنا.
ثم غمز لها بعينه بمشاكسة جعلت وجنتيها تحمران على الفور.
أخفضت بصرها بخجل وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، بينما عادت إليها تلك الرجفة الجميلة التي كانت تشعر بها كلما نظر إليها بهذه الطريقة، ثم قالت:
-لا، مش هينفع يا ظريف، مدام نجلاء هتزعل مننا لو محضرناش حفلة عيد ميلاد بنتها، دي مأكده علينا أننا لازم نكون موجودين، أمشي يلا.
مد يده إليها دون تردد، فأمسكتها بحب تلقائي اعتادت عليه منذ سنوات. انحنى وقبل يدها برقة قبل أن يشبك أصابعه بأصابعها، بينما كانت طفلتهما تستقر بين ذراعيه بأمان.
خرج الثلاثة معًا من المنزل وسط أجواء من السعادة والدفء العائلي. كانت مهرة تسير إلى جوار زوجها وقلبها ممتلئ بالامتنان، فبعد كل ما مرت به من ألم وخوف وحرمان، منحها الله حياة لم تكن تحلم بها يومًا.
ألقت نظرة جانبية على معتصم، فوجدته ينظر إليها في اللحظة نفسها، فتبادلا ابتسامة صامتة فهمت منها الكثير.
فبعض قصص الحب لا تنتهي عند الزواج.. بل تبدأ منه حكاية أجمل.
&النهايه&
&تمت بحمد الله&
*************************





