خذلان الماضي دودو محمد

خذلان الماضي

ابتسم له بلطف وتحدث بنبرة هادئة:

“حصل خير يا رامي، أنا مش زعلان والله، أتمنى بس مكونش أزعجت مدام راما. أنا لازم أمشي بقى عن إذنكم.”

تحدث والد راما سريعاً، قائلاً:

“أقعد يا عمر، كمل أكلك، انت طول عمرك واحد مننا، مافيش إحراج ما بينا.”

أومأ رأسه بالطاعة وجلس احتراماً له، وتناول الطعام في صمت، كأنه يفكر في ما جرى. كانت الرغبة في استمرار الحوار ما زالت تعصف برأسه، لكنه كان يدرك حدود الموقف.نظرت سامية إلى مي وغمزت لها، تشير إلى سير الخطة كما يريدون، حيث تبدو بصمات السعي لتحقيق الهدف واضحة في عيونهم، رغم كل ما حدث.

………………………………………………….

دلفت راما إلى غرفتها، بينما كانت الدموع حبيسةً داخل عينيها، شعرت باختناق شديد مما حدث خارجاً. لم يكن بوسعها الإحساس بنفسها إلا عندما وضعت الهاتف على أذنيها. لحظات مرت، ثم جاء صوت رجولي يقول لها:

“ألو، مين معايا؟”

تخللت صوت الضحكات النسائية من حوله، ضحكات كانت خليعة ومزعجة، كأنها كانت تتراقص مع آلامها، تزيد من قسوة اللحظة. تحدثت، رغم شهقاتها، بصوت مختنق، كأن كل كلمة كانت تحتاج إلى جهد هائل لتخرج:

“أنا مش قادرة أعيش من غيرك، حياتي واقفة على اللحظة اللي بعدنا عن بعض فيها، أنا بموت يا ياسر.”

رد عليها بغضب شديد، وصراخه كان كالصاعقة التي تصم أذنيها، يخترق كل دفاعاتها:

“أنتي!! عايزة إيه مني؟ أنتي باردة معندكيش دم، قولتلك اللي فيها. أنتي مجرد نزوة عندي، مش أكتر. ياريت تمسحي رقمي ومتتصليش بيا تاني، فاهمة؟”

أنهى كلامه بإغلاق الخط في وجهها، تاركاً خلفه صدى كلمات كالصخور الثقيلة تضغط على صدرها. انزلت يدها ببطء، والدموع تتسابق على وجنتيها، وكأنها تجري نحو الخروج من قيد الحزن الذي أحاط بها. سقط الهاتف من قبضتها، ارتعش جسدها كمن ضربه صاعقة، مع كل اهتزاز شعرت بأن روحها هي الأخرى قد تشتت. تمددت على فراشها، وضمّت قدميها إلى صدرها كطفلة صغيرة تبحث عن الأمان في حضن مألوف، وظلت تنتحب حتى تقطع قلبها، محاولةً في صمت إيصال ألمها إلى الكون، علّ أحداً يسمع أنينها. شعرت برغبة ملحة للهروب من واقعها المرير، كأن الجدران الأربعة تحاصر أنفاسها، فأغمضت عينيها، مستسلمةً لنومها، ذاهبةً إلى عالم خيالي وردي حيث لا مكان للخيبة ولا للألم، بل فقط أشباح لذكريات كانت تجلب لها السعادة، تلك السعادة التي تبددت كسراب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *