خذلان الماضي دودو محمد
خذلان الماضي
“عقبالنا لما تجيبي حتة مني ومنك.”
شعرت راما بتوتر، كأنما صاعقة طائشة قد ضربت مشاعرها الهادئة، وابتسمت لممرضة كوسيلة للهرب من حديث إضافي قد يزج بها إلى حيز الشكوك. وسألت بتساؤل وبلكنة تدل على القلق:
“مامته عاملة إيه دلوقتي؟”
أجابتها الممرضة بابتسامة لطيفة، وكأنها تطمئن روح راما المتوترة:
“كويسة الحمد لله، شوية وهتدخل اوضتها. ممكن بس البيبي علشان نجهزه وندخله لمامته، وياريت والده يدفع باقي حساب المستشفى علشان يستلم الطفل ويسجله في الصحة.”
أومأت راما برأسها بتفهم، لكنها كانت تشعر بأن الوزن الهائل لتلك المسؤوليات بدأ يثقل على كاهلها، فقالت:
“والده جاي كمان ساعتين.”
أخذت الطفل وعادت مرة أخرى إلى الداخل، وكأن خطواتها تحاول الانسلاخ عن ثقل المشاعر المترسبة. تنهد عمر بضيق وتحدث بتمني كطفل يحلم بعيدًا:
“راما، وافقي بقى على جوازنا. نفسي نعيش اللحظة دي سوا، نفسي يتقفل علينا باب واحد وتبقى مراتي على سنة الله ورسوله. أنا عندي حاجات كتير أوي عايز نعيشها سوا، نرسم لوحة حياتنا بألوان سعادتنا.”
نظرت له بقلق، وارتبكت أفكارها كما لو كانت في دوامة، وتحدثت بصوت مختنق كمن يشهد غرق سفينة:
“بلاش تستنى يا عمر، علشان هتستنى كتير أوي وعلى الفاضي. اسمع كلامي وروح شوفلك بنوتة، لسه الحياة وردية في عيونها، هي دي اللي هتقدر تسعدك وتعيشك اللي نفسك تعيشه. أما أنا خلاص، عايشة من غير روح، مش هقدر أسعدك.”
أمسك يدها وتحدث بنبرة عاشقة، كأن كلماته تحمل سحرًا يحاول أن يذيب كل الخوف:
“أنا موافق وراضي جدا كمان، وافقي أنتي بس وملكيش دعوة بأي حاجة. مش يمكن أطلع أنا اللي نكدي ومتعاشرش.”
ابتسمت على كلماته وظلت صامتة وكأنها تحاول تلمس جليد حزانها. شعر بتفاؤل كبير عندما ابتسمت راما، وتحدث بسعادة عميقة:
“اعتبر سكوتك وابتسامتك موافقة على طلبي؟”
في تلك اللحظة، خرجت الممرضة وأبلغتهم بخروج مي من العمليات إلى غرفتها المتخصصة، كأنها قد جلبت لهم أنغام الحياة مرّة أخرى. تحركت راما سريعًا من أمام عمر وذهبت عند مي، وكأنها تعود إلى حوض شغفها. زفر عمر بضيق، وكلمات معدّلة في قلبه، وقال:
“يعني، ده كان وقته؟ لازم تخرج الممرضة وهي هترد عليا.”
أنهى كلامه، لكنه لم يستطع تخطي الطيف الذي خيم عليه، وتحرك خلف راما إلى غرفة مي. دخلوا إلى الداخل، وجلست راما بجوار مي، قبّلت رأسها بحب، وكلماتها تفيض بالحنان:





