س.فاح بدون جري.مة دودو محمد
س.فاح بدون جري.مة

***********************
تجمد كل شيء للحظة، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
الصوت الذي دوى من مكبر خفي أعاد لأريان شيئًا كان يهرب منه منذ البداية، الذاكرة.
بدأت الصور تتلاحق في رأسه بسرعة موجعة:
وجه القاتل وهو يبتسم في الظلام، رائحة الورق القديمة، أصوات نقرات القلم، والمقهى الذي كانا يجلسان فيه سويًا قبل أن يتغير كل شيء.
لورين نظرت إليه باستغراب:
“أريان؟ ما بك؟”
لكن ملامحه كانت بعيدة عنها كليًا.
كان يرى أمامه نفسه قبل شهور، وهو يسلم ملفًا إلى رجل بملامح هادئة وابتسامة مراوغة، الرجل نفسه الذي كان يدعي أنه صحفي زميل، يساعده في تتبع قضايا القتل المتسلسلة.
الآن فقط، تذكر الاسم جيدًا: ماكسيم.
ذلك الاسم الذي ظل بجواره سنين طويلة.
ترددت الكلمات في رأسه:
“كل فصل يحتاج بطله، وكل بطل يحتاج نهايته.”
تذكر تلك الجملة بالحرف، فقد قالها له ماكسيم ذات ليلة أثناء نقاش عن الكتابة والقدر.
لكن وقتها لم يدرك أن الجملة لم تكن مجازًا أدبيًا، بل وعدًا قاتلًا.
أريان تراجع خطوة إلى الوراء، واضعًا يده على رأسه، والعرق يتصبب من جبينه.
قال بصوت مبحوح:
“هو، هو من بدأ كل شيء، لورين، لم يكن تحقيقًا صحفيًا، كانت تجربة، كان يكتب نصًا، وأنا كنت الشخصية الأولى فيه.”
اقتربت منه لورين بحذر:
“أريان، ماذا تقول؟”
“لقد استخدمني، صاغ حياتي على الورق، وكان يختبر كيف يمكن للكاتب أن يصنع القتل بالكلمات، ثم يعيده في الواقع!”
صمت ثقيل خيم بينهما، كأنهم ينتظروا النهاية.
رفعت لورين رأسها نحو الشاشات التي بدأت تعرض صورًا من لقاءات قديمة بين أريان وماكسيم في المقهى، في المكتب، وفي موقع الجر.يمة الأول.
قالت بذهول:
“هو كان قريبًا منك دائمًا.”
ابتسم أريان ابتسامة خافتة لا تحمل سوى المرارة:
“قريبًا أكثر مما تتصورين، كنت أكتب وهو يعيش ما أكتبه، حتى عندما حاولت التوقف عن التحقيق، كان يدفعني من جديد، كأنني أكتب من يده لا من إرادتي.”
وفي تلك اللحظة، عادت الإضاءة فجأة لتكشف الجدار المقابل وقد كتب عليه حديثًا بخط أحمر متقطع:
“ما بدأته بالكلمات، سينتهي بالدم.”
لورين شهقت، وبدأت أصوات الأجهزة تعود للعمل دفعة واحدة، أصوات تشغيل، ضوضاء متقطعة، وصوت الباب المعدني يغلق خلفهما.
أريان رفع نظره نحو الكاميرات التي تدور ببطء نحوهم، ثم قال بصوت منخفض مفعم بالرهبة:




